خليل حمد (كاتب فلسطيني): عودة لمراتع الطفولة!

كانت الأجواء قاتمة هذا الصباح، والغيوم الداكنة تملأ السماء، وكنت أسمع طوال الليل طرق حبات المطر على أباجور شباك غرفة النوم الغربي. وبناءً على كل هذه المعطيات، افترضت أن الحياة قد عادت إلى الوديان، وأن المياه جرت فيها بعد انقطاع طويل.
ولكون تلك الوديان مرتعاً من مراتع الطفولة، قررت نفض أغطية التردد والكسل، وقلت إن المرور بجانب تلك الوديان، التي تضم واد قانا وواد قيرة وواد زيتا وواد جبل الظهور، سيكون تجربة في غاية الجمال، وفيها قدر لا بأس به من المغامرة التي تنعش الروح. وكما نقول دائماً:
يفوز باللذة كل مغامر… ويموت بالحسرة كل من يحسب العواقب.
انطلقت حوالي الساعة العاشرة صباحاً بعد أن استقر الرأي على ركوب موج المغامرة من جديد، بغض النظر عن الاحتمالات. قدت سيارتي عبر حاجز صرة، وكانت بوابات السماء في تلك الأثناء قد فُتحت بماء منهمر، مصحوب ببرق ورعد، والشوارع تفيض كالأنهار. وكنت منطلقاً كالسهم، مردداً بيت عنترة بن شداد:
«حِصاني كان دَلّالَ المَنايا… فَخاضَ غُبارَها وَشَرى وَباعا».
ظل المطر ينهمر بغزارة تكاد تعمي السائقين، إلى أن وصلت أول طلوع بلدة الفندق، عندها ـ هوب ـ انقطع المطر فجأةً مرة واحدة، فقلت: سبحان من يوزّع الأرزاق.
درت عند إشارة جينصافوط يساراً، متجهاً نحو واد قانا، وأنا أتأمل أن أجده قد تحوّل إلى نهر عظيم كما كان في سنوات سابقة. وكانت أبواب السماء ما تزال مغلقة تماماً. وما إن وصلت مدخل الواد حتى ترجلت، فتبين أن السماء لم تجد ماءً يكفي ليتحول الواد إلى نهر متدفق. التقطت بعض الصور للحرش الذي يزين المكان، وأكملت رحلتي نحو بلدتي كفل حارس.
وما إن خرجت من أول لفة قوية في قعر الواد، وكنت أسير بسرعة مناسبة، إذا بسيارة سوداء ذات لوحة صفراء يقرر صاحبها تجاوزي بسرعة عجيبة، من دون أن يرى الطريق عند المنعطف. وفي اللحظة نفسها كانت سيارة قادمة من الاتجاه المعاكس، وكاد أن يحدث اصطدام وجهاً لوجه. لكن الله لطف؛ فأخذ سائق السيارة القادمة أقصى اليمين، بينما حاول المتجاوز تفادي الاصطدام وداس على الفرامل، فأخذت سيارته تتمايل يمنة ويسرة، وكادت أن ترتطم بالصخور مرة، وأن تنقلب مرة أخرى، لكن الأمور انتهت على خير.
وعندما وصلت قريتي، اصطحبت معي صديقي باسم أبو يعقوب، ومن هناك اتجهنا إلى واد قيرة، وخضنا مغامرة السير في طريق ترابي محاذٍ وموازٍ للواد. وتبين أن المياه المتجمعة في الأرض لم تكن كافية لحدوث سيول تتجمع كنهر في أسفل الواد، لكنني التقطت بعض الصور لتجمع مائي في بطن الواد.
غادرنا المكان متجهين نحو واد زيتا، معتقدين أن المياه ربما تكون قد تجمعت في تلك المنطقة. وقبل الخروج من الطريق الترابي إلى الشارع الإسفلتي الذي يربط قرى المنطقة، أغرى منظر تجمع أشجار البلوط صديقي، عاشق الفطر، باسم أبو يعقوب، فاقترح أن نجرب حظنا في البحث عن أقراص الفقع. وافقته على اقتراحه، لكنني حذرته من أننا في الغالب سنصادف الخنازير التي تختبئ من المطر في قلب هذا الكعبوش من أشجار البلوط.
فحصنا الشجرة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ولم نعثر لا على فقع ولا على خنازير. وبينما كنا نقترب من الشجرة الرابعة، إذا بصوت حركة مفاجئة يخرج من قلبها، وإذا بثلاثة خنازير ضخمة كانت مختبئة من المطر. والحمد لله أنها اتجهت في اتجاه معاكس لمكاننا، وإلا لكانت كارثة قد حلت بنا. سارعنا بالخروج من المكان وتابعنا السير حتى وصلنا إلى الشارع، ولم نتوقف عند جسر واد زيتا، إذ كان واضحاً أنه خالٍ من الماء كسابقيه.
تابعنا طريقنا نحو واد جبل الظهور، الذي يرسل مياهه إلى واد قانا. وقبل الوصول إلى قعر الواد بعدة أمتار، لحقت بنا سيارة، فأفسحت لها المجال للمرور. لكن سائقها توقف، وسلم علينا أنا ورفيقي، وأخبرني أنه يتابع فيديوهاتي ويسعد بها كثيراً، ثم دعانا لشرب القهوة في مزرعته. فوافقنا، حتى لا نخرج من المولد بلا حمص، كما يقال.
تبعناه إلى أعلى الجبل، ودخلنا معه إلى المزرعة، فتبين أنه فنان بنى بيديه ما اعتبرته أكثر من بيت ريفي ومزرعة؛ مكان في غاية الروعة الفنية والجمال.
تفقدنا المكان من الداخل، بينما كانت الرؤية في الخارج محدودة للغاية بسبب الضباب الكثيف، الذي أضفى طابعاً سحرياً إضافياً على الموقع، وزاده جمالاً فوق جمال البنيان.
تناولنا القهوة، وكنا في طريقنا للمغادرة، مودعين مضيفنا الأخ محمود منصور ورفاقه، شاكرين لهم حسن الضيافة. وفي الخارج التقينا بالدكتور شاهر منصور، الذي تبين أنه صاحب البيت الريفي الآخر المجاور. وبعد السلام والحديث، اصطحبنا في جولة داخل بيته الريفي، فوجدناه هو الآخر متقن البناء، بالغ الجمال.
التقطنا صورة مشتركة مع الدكتور شاهر على الشرفة المطلة على شاطئ البحر الأبيض، ونوينا العودة للاستمتاع بمنظر الغروب، الذي لطالما قصدت تلك البقعة لمشاهدته من جانب شجرة خروب تقف شامخة عند أعلى نقطة في الجبل.
وهكذا انتهت الرحلة كما بدأت: بحثاً عن الماء، فكان العوض دفئاً إنسانياً، وجمال مكان، وذكرى جديدة تضاف إلى سجل الأيام التي تُعاش لا تُنسى.


من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



