د. علي جبارين: اللغة العربية باقية: الانسان العربي في عالم ما بعد الحداثة الى اين؟

تقدم القراءة الموضوعية النقدية للمكانة الرمزية الفريدة للغة العربية وخصائصها البنيوية واللسانية إجابة واضحة وحاسمة عن السؤال المتكرر: ” اللغة العربية إلى أين… ؟”. فالعربية لغة باقية وخالدة, و الأكثر تأهلا لأن تكون لغة المستقبل, إذ هي مصونة من أي خطر وجودي بتكفل الله سبحانه وتعالى بحفظها في قوله تعالى: ﴿إِنّا نَحنُ نَزَّلنا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ﴾, والذكر هو القرآن الكريم الذي نزل بلسانٍ عربي مبين. وبهذا الحفظ والتكريم الإلهي ارتفعت مكانة العربية, فترسخت قواعدها, واتسق نظامها وباتت قادرة على استيعاب مختلف العلوم والمعارف. ولم تعد وظيفتها مقتصرة على التواصل, بل غدت وعاء للهوية والثقافة والتراث, ولسانا للفكر والفلسفة والأدب والسياسة, وركيزة للوحدة الثقافية في العالمين العربي والإسلامي. كما اختصت بسمات فريدة, من سعة الاشتقاق, وثراء الدلالة, ومرونة التركيب, ودقة النظام الصرفي, إلى طاقتها البلاغية والجمالية, بما يؤهلها لمواكبة العلوم الحديثة وصياغة المصطلحات المعاصرة. غير أن هذه المقومات قد تظل معطلة إن لم يدرك أبناؤها مسؤوليتهم في صون لغتهم وتفعيل طاقاتها من أجل مستقبلها.
ومع ذلك, يبقى السؤال الذي “عجز” علماء الاجتماع وعلم النفس والعلوم الإنسانية عن حسمه: “إلى أين يتجه الإنسان العربي في عالم ما بعد الحداثة؟”. فاللغة العربية, بما تملكه من مكانة رمزية راسخة وبنية لغوية متينة, استطاعت عبر تاريخها أن تتجاوز العقبات وتواجه التحديات المعقدة, سواء من داخل مجتمعاتها أو من خارجها. غير أن الخطر الحقيقي الذي يهدد قدرتها على تصدر المشهد الفكري والثقافي لا يكمن فيها, بل في عقوق أبنائها لها. إن الإنسان العربي في عالم ما بعد الحداثة, ذلك الكائن غير المنسجم مع ذاته, الذي يعيش أحيانا حالة من التشتت والانفصام بين القول والعمل, وبين الهوية الجامعة والانتماءات الشخصية, وبين الأولويات المعلنة والالتزامات الفعلية, هو العائق الأبرز أمام انطلاقة اللغة العربية في عصر رقمي سريع التحول. فثمة فجوة واضحة بين خطابه حول العربية وممارساته اليومية تجاهها.
يتغنى بمكانتها في المحافل الرسمية, ثم يقدم اللهجات العامية على الفصحى في كل مناسبة. يرفع شعار “العربية هي اللغة الأم”, ثم يستبعدها من سوق العمل لصالح لغات أجنبية. يتحسر على ضعف النصوص العربية, بينما يقضي يومه متنقلا بين محتويات هزيلة في وسائل التواصل الاجتماعي. يهاجم جمود المناهج التعليمية وابتعادها عن واقع المتعلم, لكنه ينتفض إذا حاول المعلم إدخال نصوص لا تنسجم مع ذوقه الشخصي. ينتقد اعتماد التعليم على الحفظ والتلقين بدل تنمية التفكير النقدي والكفاءة التواصلية, ثم يحتفل مطولا بعرض شفوي عابر قدمه ابنه أو ابنته في مناسبة رسمية.
وتتجلى التناقضات ذاتها في سياساته اللغوية والإعلامية؛ فيقدس أحيانا المكانة الرمزية للعربية, ويختزلها أحيانا أخرى في وظيفة أداتية هزيلة. يتحدث عن مستقبلها الرقمي, دون أن يستثمر فعليا في دمج التكنولوجيا في تعليمها, أو في تعزيز المحتوى الرقمي العربي بما يتناسب مع وزنها الحضاري الحقيقي. يشيد نظريا بمكانة معلم اللغة العربية, ثم يحمله وحده مسؤولية أي “إخفاق”, متجاهلا ظروف العمل الصعبة التي يواجهها هذا المعلم. يمتدح المناهج المتقدمة في الخطاب الرسمي, ويتناسى مستواها المتدني فعليا, ولا سيما في المراحل المبكرة لتشكيل الكفاءة والمعرفة اللغوية.
يقدم علاقة العربية باللغات الأخرى بمنطق صدامي, كأن العربية في معادلة صفرية مع اللغات الأخرى, بدل اعتماد منطق التفاعل والتكامل. يرفع شعار “العربية أولا”, غير أنه يفتخر بان اطفاله قد اكتسبوا اللغات الأجنبية قبل إتقان لغتهم الأم, على الرغم من يقينه بأن ترسيخ اللغة الأم شرط أساس لاكتساب اللغات الأخرى بفاعلية. ثم, وبشكل لافت, يثير الشك في مستقبل العربية في عصر التكنولوجيا. ولو استحضر هذا الإنسان العربي ما عبر عنه حافظ إبراهيم, شاعر وادي النيل, على لسان اللغة العربية, لأدرك قدرتها الكامنة على احتواء الدين والحضارة, واستيعاب الفكر والمعرفة, ومواكبة متطلبات العصر بثقة وطمأنينة, ولما تسلل هذا الشك إلى قلبه ولو للحظة واحدة, إذ قال:
وسِعتُ كتابَ الله لفظًا وغايةً وما ضِقتُ عن آيٍ به ووعظاتِ
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلةٍ وتنظيمِ أسماءٍ لمختَرعاتِ؟
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامِنٌ فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي؟
ختاما, وعلى الرغم من التحديات والفجوات القائمة, تظل اللغة العربية قادرة على النهوض والازدهار إذا اجتمعت الإرادة السياسية والأكاديمية والمجتمعية لدعمها وحمايتها. فهي لا تحتاج سوى أن يتوقف أبناؤها عن التردد والتقصير في حقها, وأن يعززوا ثقتهم بها, ويعمقوا وعيهم بمكانتها, ويدركوا قيمتها الحضارية إدراكا واعيا. غير أن الواقع يظهر أن الكثيرين يغفلون عن أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل, بل هي مرآة الدين والحضارة والثقافة والإبداع, وسر البقاء والصمود أمام التحديات.
إن مستقبل اللغة العربية لا يحفظ بالشعارات, بل بالتمكين الفعلي والإدماج الواعي في العصر الرقمي. فعندما ينجح أبناؤها في تطوير المناهج, وتأهيل المعلمين, وتعزيز البحث العلمي, واستثمار أدوات التكنولوجيا الحديثة بوعي ومهنية, تبقى اللغة حية ومتجددة، تؤدي دورها كلغة للدين والعلم والفكر والإبداع, وتصبح جسرا يربط بين الأصالة والحداثة.
ولا بد من التأكيد أن هذه الرسالة لا تهدف إلى التعميم؛ فإلى جانب حالات التردد, يبرز العديد من أبناء هذه اللغة البررة الذين يعملون بلا كلل أو ملل, بكل تفان وإخلاص ومهنية, من أجل رفعة لغتهم والنهوض بها, لتسمو بهم ويسموا بها إلى المكانة الحقيقية التي تستحقها لغة الضاد.
والله الموفق والمستعان

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى