شيرين يونس عبّاسي: د. محمود عبّاسي… حين يصبح الإرث حياة

في الحادي والثلاثين من كانون الأول 2025، ودّعنا الكاتب والأديب الفلسطيني الدكتور محمود عبّاسي، عن عمرٍ امتد تسعين عامًا، لم تكن سنواته أرقامًا، بل مساحاتٍ عامرة بالمعرفة، والكلمة، والمسؤولية الثقافية.

رحل الجسد، وبقي الأثر.. بقيت الكتب، والمخطوطات، والترجمات، وبقي ذلك الحضور الهادئ الذي لا يعلو صوته، لكنه يترك صداه طويلًا في الوعي والذاكرة.

وُلد د. محمود عبّاسي في حيفا عام 1935، وحمل منذ بداياته إيمانًا عميقًا بأن الثقافة ليست ترفًا، بل فعل انتماء، وأن اللغة ليست أداة، بل هوية. ومن شفاعمرو، التي عاش فيها قرابة خمسين عامًا، انطلقت كلمته إلى فضاءات أوسع، جسرًا بين لغات وثقافات، وبيتًا مفتوحًا للحوار.

أتقن الراحل اللغة العربية بعمق العالم وذائقة الأديب، وأجاد العبرية قديمها وحديثها، وامتلك ناصية الإنجليزية والفرنسية واليونانية، فكانت اللغات لديه وسائل فهم لا تفوّق، وجسور معرفة لا حواجز، سخّرها للترجمة والتقريب بين الشعوب والثقافات.

كتب أكثر من ستة وأربعين مؤلَّفًا في القصة والمسرح وأدب الأطفال والدراسات الأدبية، وترجم ما يقارب سبعةً وأربعين عملًا من الأدب العبري والإنجليزي إلى العربية، واضعًا المعرفة في متناول القارئ العربي، بإخلاص العالم، وصبر المعلّم، ونزاهة الأديب.

لكن إرثه الحقيقي لا يقف عند عدد الكتب، بل في الفكرة التي آمن بها: أن الكلمة مسؤولية، وأن الثقافة يجب أن تُحفَظ كما تُصان الذاكرة.

ولهذا ترك وراءه أرشيفًا ثقافيًا غنيًا: مخطوطات، مراسلات، مواد إذاعية، ووثائق تشهد على مسيرة عقلٍ لم يتوقّف عن العمل، وكأنّه كان يعرف أن ما يُرتَّب اليوم، سيُنير الغد.

هذا الأرشيف ليس ماضيًا مُغلقًا، بل إرثٌ حيّ، قابل لأن يُقرأ من جديد، ويُعاد اكتشافه، ويُستكمل بروح من حملوا اسمه ومسؤوليته. إرث لا يُحفظ بالبكاء، بل بالاستمرار.

وفي هذا المصاب الجلل، نتوجّه بالدعاء بالصبر والبقاء إلى الإخوة الكرام: يونس عبّاسي، محمد عبّاسي، صالح عبّاسي، وهبي عبّاسي، علي عبّاسي، مصطفى عبّاسي، وإلى الأبناء والعائلة وكل من أحبّ هذه القامة الثقافية.

اللهم ارحمه رحمةً واسعة، واجعل علمه نورًا في قبره، وكلمته صدقةً جارية، وذكراه طمأنينةً في قلوبكم.

سلامٌ على من جعل من الثقافة طريقًا، ومن الذاكرة مسؤولية، ومن الرحيل بداية حضورٍ لا يزول. رحم الله عمّنا الغالي د. محمود عباسي.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى