المحامية ميس الريم رياض انيس – بويرات: بيت الجد عباسي!

** كلمات في رحيل جدي الغالي د. محمود عباسي – ابو إبراهيم

تُطوى بعضُ صفحاتِ الحياة لا لأنّنا أردنا ذلك، بل لأنّ من كانوا سبب وجودها وسعادتنا قد رحلوا. برحيلهم نكبر فجأة، يكبر العمر في أعيننا، ويتمدّد الحزن في داخلنا حتى يصبح جزءًا منّا.
ليس كل وداعٍ يُبكى له لأنّ شخصًا غاب، فبعض الوداعات تكون لأماكن ولأرواحٍ سكنت الجدران قبل أن تسكن الأجساد.
بيت الجدّ والجدة ليس بيتًا عاديًا، هو وطنٌ مصغّر، ذاكرةٌ حيّة، وطفولةٌ لم نغادرها يومًا حقًا.
بيت جدي عباسي… اسمٌ وحده يكفي ليوقظ في القلب ارتجافة، وفي الروح وجعًا لا يُقال.
في كل زاويةٍ منه حكاية، وفي كل حجرٍ نبضة حنين.. هنا ركضنا صغارًا بلا خوف، وهنا تعلّمنا أوّل معنى للأمان.
في تلك الخزانة الخلفية كانت الجدة تُخفي الشوكولاتة، كأنّها تخبّئ لنا الفرح ليومٍ نحتاجه.. جزدانها الجلديّ البنيّ كان شاهدًا على حنانها الصامت، وعلى يدٍ كانت تعطي دون أن تنتظر شكرًا.
وفطور الصباح… آه من فطور الصباح.. كان طقسًا مقدّسًا، وكان الجدول اليومي فيه يشبه العيد.
امتازت جدّتي بطبعها المميّز، بطبخٍ لا يُشبه سواه، وتعلّمنا منها أسرار المطبخ ومهارته كما يتعلّم الطفل أبجديّته الأولى.
كانت “الفتّة “سيّدة المائدة، والشاي شديد السواد مُحلّى بالسكّر، يدفئ القلب قبل الجسد.
المربّى المصنوع بيديها لم يكن طعامًا، بل حبًّا مُكثّفًا، والبسكوت البسيط كان طعم الطفولة نفسها.
آخ يا قلبي… كم يوجعني هذا الصباح الذي لن يعود.
وما بعد الغداء… كان للوقت شكلٌ آخر، وهيبةٌ أخرى. اعتاد جدّي أن يجلس على طاولة المطبخ، يفتح صحيفة الكلمات المتقاطعة أو دفاتر السدوكو، ويبدأ الاختبار.
كان يسألنا وكأنّنا في امتحانٍ حقيقي، نرتّب أفكارنا، ونبحث عن الإجابة الصحيحة، لأنّ علينا أن نكون عند حسن ظنّ الجد.
كم كانت الفرحة تعلو وجهه عندما نجيب إجابة صحيحة، تلك الابتسامة كانت مكافأتنا الكبرى، وكانت نظرة فخره بنا تساوي العالم كلّه.
لم يكن يعلّمنا الحلّ فقط، بل كان يزرع فينا الثقة، ويعلّمنا أن نفكّر، وأن نحاول، وأن نفرح بالنجاح مهما كان صغيرًا.
نافذة المطبخ… آه من نافذة المطبخ.. كم من حكايةٍ وُلدت هناك، وكم من صمتٍ كان أبلغ من الكلام. كانت جدّتي، رحمها الله، تجلس هناك في ساعاتٍ معيّنة من كل يوم، كأنّها تحرس البيت بنظرتها، أو تنتظرنا حتى بعد أن كبرنا.
اليوم، حين مرّ شريط الذكريات أمام عيني، اختنقت. شعرت بأنّ هذا البيت لم يعد يسكنه أحد، سوى الذكريات. الأحبّة رحلوا، وبقيت الجدران واقفة، باردة، تحفظ أسماءنا ولا تنادينا.
في تلك اللحظة أدركت أنّني أودّع كل شيء. لم أودّع مكانًا فقط، بل ودّعت عمرًا كاملًا، وضحكاتٍ كانت صادقة، وأيامًا لم نعرف قيمتها إلّا حين فقدناها.
مررت بيدي على الحيطان كأنّي أحفظ ملامحها عن ظهر قلب، كأنّي أخشى أن تخونني الذاكرة يومًا.
ودّعت كل زاوية، كل درج، كل ظلّ. بكيت بصمت، وتمزّقت من الداخل، وأنا على يقينٍ موجع أنّها الزيارة الأخيرة.
خرجتُ منه جسدًا… لكن قلبي بقي هناك، طفلًا صغيرًا، يجلس إلى طاولة المطبخ، ينتظر سؤال الجد، ويتمنّى ابتسامة فخرٍ واحدة… وحنانًا لا يُعوَّض.
رحم الله الجد الغالي د. محمود عباسي – ابو إبراهيم، والجدة ام إبراهيم، وجمعنا بهما في الفردوس الأعلى ان شاء الله!

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى