رانية عقل: حين كان الأمان يلعب معنا

** مقال تأمّلي في علاقة الطفل بالمكان، وتحولات الأمان والتربية مع تقلّص الحيّز، واختفاء الحاكورة كحيّز جماعي حيّ.
حواكير البيوت لم تكن مساحة نلعب فيها فقط. كانت حيّز أمان نفسي وتعلّمًا طبيعيًا. فيها تعرّفنا على الأرض قبل أن نتعلّم أسماءها. قرأنا الهواء وتبدّل الضوء خلال النهار. لاحقنا ظلالنا. ركضنا لنمسكها وقفزنا فوقها كأن الأرض شريكة في لعبنا.. هناك بحثنا عن مملكة النمل. راقبناها وتخيّلناها. حاولنا أن نصنع خلية نحل من ورد ونحلة وقنينة. من النباتات صنعنا زينة وحنّينا أيدينا بما تعلّمناه من بعضنا. لم يكن هناك معلّم ولا شرح ولا خوف. كان هناك وقت وهواء وجماعة وأرض تعلّمنا بهدوء.
ومن هذا المكان المفتوح، دخلنا التربية دون أن نشعر. في الحاكورة لم نكن غائبين عنها. كنّا داخلها من كل الجهات. لم تكن الأمهات فارغات. كنّ كادحات يعملن في الطبخ والغسيل ورعاية الكبار. ومع ذلك كنّ مطمئنّات. هذا الاطمئنان لم يأتِ من مراقبة دائمة، بل من الثقة بالمكان وبالناس. كل من في الحارة كان شريكًا في التهذيب.. الختيار الذي يطلب الهدوء فننخفض صوتًا. الجارة التي تصحّح كلمة.. والنظرة التي تعيدنا إلى الحدود من غير صراخ. هكذا تعلّمنا كيف نجلس، وكيف نحكي، وكيف ننتظر دورنا. الجماعة كانت حاضرة فينا، لا فوقنا.
ومع الجماعة، كان للزمن إيقاعه الواضح. كنّا نعرف متى نعود إلى البيت دون أن ينادينا أحد. حين يبدأ الضوء بالميل، وحين تتغيّر رائحة الحارة، كانت العتمة إعلانًا صامتًا لانتهاء النهار. نغسل أيدينا وننام بسهولة، كأن الجسد استنفد طاقته في الهواء الطلق. لم نكن نحتاج إلى قوانين مكتوبة. الإيقاع كان مفهومًا. للّعب وقت، وللعودة وقت. هذا الإحساس بالزمن وبالحدّ خلق فينا طمأنينة داخلية. كبرنا ونحن نثق بالمكان وبأنفسنا.
لكن هذا الإيقاع لم يبقَ كما هو. اليوم تغيّر المكان، لا لأن الأمهات تغيّرن، بل لأن الحيّز ضاق. لم تعد الحاكورة بين البيوت مساحة مفتوحة. صارت فراغًا مفقودًا. الأطفال محاطون بالرعاية، لكنهم محرومون من الاتساع. محاطون بالوسائل، لكنهم أبعد عن الأرض. الأمان صار مراقبة، لا ثقة. والوقت صار مجزّأ، لا ممتدًّا. في هذا التحوّل لا نفقد اللعب فقط، بل نفقد حالة نفسية كانت تسمح للطفل أن يهدأ، وأن يثق، وأن ينمو دون خوف دائم.
ومع تقلّص الحيّز، دخلت المراقبة مكان الأمان. اليوم الساحات محاطة بالكاميرات من كل الجهات. كل بيت تقريبًا له عين إلكترونية. كل مدخل له قفل وبوابة. ومع ذلك لا نشعر بالأمان. العين تراقب، لكنها لا تحتضن. تسجّل، لكنها لا تطمئن. كثرة الأسوار لم تُنتج اتساعًا. كثرة الكاميرات لم تُنتج ثقة. كأننا استبدلنا الجماعة بالعدسة، والوجه بالشاشة، فخسرنا الإحساس الذي لا يُسجَّل، لكنه كان يحفظنا.
وحتى الاكتفاء، الذي كان جزءًا طبيعيًا من المكان، تغيّر مع تغيّر الحيّز. في الحاكورة لم يكن الجوع سببًا للعودة إلى البيت. الأرض كانت فيها خيراتها. تين وعنب وتوت. بيوت الحارة تعبق برائحة الخبيز. وكل شيء له نصيبه. لم نكن نعدّ الوجبات، ولا نعرف معنى الجوع الطارئ. الاكتفاء كان بديهيًا. الشبع لم يكن طعامًا فقط. كان طمأنينة. نأكل حين نحتاج ونكمل اللعب. الجسد كان مطمئنًا. فلا استعجال، ولا قلق، ولا شعور بالنقص.
من هنا، تبدو الحاكورة أكثر من ذكرى جميلة. كانت نموذجًا تربويًا وبيئيًا متكاملًا. نموذج يذكّرنا بأن الطفل لا ينمو بالرقابة، بل بالثقة. لا بالأسوار، بل بالاتساع. ولا بالشاشات، بل بعلاقة حيّة مع الأرض والناس والزمن.
ولهذا، لسنا نبحث عن العودة إلى ما كان، ولا عن استنساخ زمن مضى. ما نفتقده اليوم ليس الحاكورة بحدّ ذاتها، بل ما كانت تمثّله. حيّزًا يربّي من دون وصاية. يمنح الأمان من دون مراقبة. ويعلّم الطفل أن يثق بالمكان وبنفسه. بين الأسوار العالية والكاميرات الكثيرة، يبقى السؤال معلّقًا: كيف نعيد لأطفالنا اتساعًا يُشبه الطمأنينة، ومساحة يتعلّمون فيها الحياة قبل أن تُراقَب؟
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



