د. رافع يحيى: عطب في بنية المجتمع!

لم يأتِ العنف في مجتمعنا من فراغ، ولم يولد فجأة، بل هو نتيجة مباشرة لعطبٍ عميقٍ أصاب بنية المجتمع، عطبٍ صامتٍ نما بهدوء حتى انفجر في وجوه الجميع. فحين تختلّ القيم، ويضعف الوعي، وتغيب المسؤولية الأخلاقية، يصبح العنف سلوكًا مألوفًا لا استثناءً.
الكراهية لم تعد شعورًا عابرًا، بل تحوّلت إلى ثقافة يومية، تُغذّى بالكلام الجارح، وبالتصنيفات الضيقة، وبمنطق “نحن” و“هم”. ومعها يتسلل الحقد، لا كحالة نفسية فردية، بل كمنظومة مواقف وسلوكيات. وحين يعجز الإنسان عن مواجهة ذاته، يوجّه فشله نحو الآخرين، فيمارس العنف بوصفه تعويضًا مشوّهًا عن العجز.
أمّا الحسد والغيرة، فهما من أخطر ما يفتك بالنسيج الاجتماعي. فبدل أن يكون النجاح مصدر إلهام، أصبح سببًا للعداء، وبدل أن يُحتفى بالإنجاز، يُقابل بالتشكيك والتشويه. مجتمع لا يحتمل تفوق أبنائه، هو مجتمع يصنع أعداءه بيده.
ويأتي “مرض الإشاعات” ليكمل دائرة الخراب. القيل والقال، ونقل الكلام دون تحقق، وتضخيم الأحداث، لم تعد ممارسات هامشية، بل تحولت إلى سلوك اجتماعي مقبول، بل ومحبّذ أحيانًا. الأخطر من ذلك أننا لم نعد نراها خللًا، بل تعاملنا مع هذا العفن كظاهرة طبيعية، وتبنّيناه، ودافعنا عنه، واعتبرناه جزءًا من “الواقع” الذي لا يمكن تغييره.
حين يُطبَّع العفن، يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين السليم والمريض. تموت الحساسية الأخلاقية، وتُغتال الحقيقة، وتنهار الثقة، ويصبح العنف النتيجة المنطقية لمسار طويل من الصمت والتواطؤ. فالعنف لا يبدأ باليد، بل بالكلمة، ولا ينفجر بالسلاح، بل بحكاية ملفّقة، أو نميمة عابرة، أو صمتٍ متواطئ.
إنّ أخطر ما نواجهه اليوم ليس العنف ذاته، بل تبريره، والتعايش معه، والتعامل معه كأمر اعتيادي. مجتمع يبرر العنف، هو مجتمع يعلن إفلاسه القيمي. فالمجتمعات الحيّة لا تبرر الانحراف، بل تعالجه، ولا تتعايش مع المرض، بل تسعى لعلاجه.
إصلاح المجتمع لا يبدأ بالقوانين وحدها، بل بإعادة بناء الوعي: في التربية، في المدرسة، في الإعلام، وفي الخطاب اليومي. يبدأ حين نعيد الاعتبار للكلمة النظيفة، وللموقف الأخلاقي، وللمساءلة الذاتية قبل اتهام الآخرين.
العنف ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة طبيعية لعطبٍ طويل الأمد. وأظن أننا فقدنا القدرة على الخروج من دائرة العنف. والنتائج يمكن تغييرها فقط إذا رفعنا الأساس لبنية أخرى.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



