د. سمير محاميد يكتب في هآرتس: خمس دقائق تتحول إلى ساعة: كيف تُدار حياة المدنيين عبر بوابات وحواجز الضفة؟

خرجتُ في إجازة عائلية إلى منطقة رام الله بمناسبة عيد الإسراء والمعراج. طلبتُ الراحة، لكنني تلقيتُ تذكيراً مؤلماً بالواقع اليومي للجمهور الفلسطيني، الذي نادراً ما يتسلّل إلى النقاش العام في إسرائيل. بيرزيت، موطن إحدى الجامعات المركزية والمعروفة في العالم العربي، ورمز للتعليم والفكر والمستقبل، مُغلقة عند بوابة برتقالية. ليس بسبب حدث استثنائي، بل “بدافع الخشية”. يُمنَع سكانها وسكان القرى المجاورة من الوصول المباشر إلى شارع 465، المُعبَّد على أرضهم لكنه مُخصّص أساساً لتنقّل آخرين.
يُحوَّل آلاف السكان قسراً إلى طريق ضيّق عبر مدخل قرية عطّارة، بمحاذاة نقطة مراقبة عسكرية. تتجمّع المركبات بأعداد كبيرة في طريق غير مُهيّأ لذلك، تحت رقابة عسكرية دائمة. الازدحامات طويلة، والتنظيمات مرتجلة، والإغلاقات تتكرر مراراً. وأحياناً ينزل جنود من نقطة المراقبة إلى الطريق نفسه، ما يزيد الضغط ويُفاقم الفوضى.
رحلة يُفترض أن تستغرق خمس دقائق امتدّت إلى 45 دقيقة، وفي اليوم التالي إلى ساعة وعشر دقائق. ليست هذه هفوة عابرة؛ إنها روتين. هكذا يبدو اليوم اليومي للسكان في طريقهم إلى العمل، أو الدراسة، أو المستشفى، أو إلى بيوتهم. وهناك ظاهرة أخرى: عند مداخل القرى المحاذية لشارع 465 تُوضَع حواجز صفراء تُفتح وتُغلق على نحو غير متوقّع، فتُربك مراراً وتكراراً روتين حياة السكان.
هل نتحدث عن ضرورة أمنية لا بديل لها، أم عن سياسة تحوّلت إلى عادة، تسعى إلى إدارة سكان مدنيين عبر التأخير والفصل والاستنزاف المتواصل؟ وما معنى “قدسية الحياة” حين تتوقف عند بوابة، أو حاجز، أو قرار إداري؟
حتى صورة الجندي حاضرة في المشهد. شبّان يقفون ساعات طويلة في مواجهة ضائقة مدنية مستمرة، يفرضون نظاماً ليس ثمرة قرارهم. والسؤال عمّا يشعرون به، وما الذي كان سيشعر به آباؤهم لو كانت هذه هي روتين حياتهم هم أنفسهم، ليس سؤالاً عاطفياً فقط، بل يمسّ قيم المجتمع كله.
يصعب الادعاء بالجهل. المستوى السياسي والمنظومة الأمنية يدركان هذا الواقع، وهو قائم بفعل قرارات وتصورات وأولويات. روتين الحواجز والطرق المنفصلة ليس خللاً، بل نتاج سياسة ممتدة منذ سنوات طويلة.
ومع ذلك، فهذه ليست مسألة “معسكرات” سياسية، بل مسألة مسؤولية أخلاقية. دولة تسعى إلى ضمان الأمن لا يمكنها تجاهل الثمن الإنساني المترتب على ذلك على مدى الزمن. ومجتمع يؤمن بقدسية الإنسان لا يمكنه القبول بواقع تُدار فيه الحياة اليومية لسكان مدنيين عبر بوابات وحواجز وتأخيرات منهجية. المسؤولية تقع على عاتق المستوى السياسي، لكنها تقع أيضاً على عاتق الجمهور الإسرائيلي: أن يرى، ويعترف، ويسأل إن كان هذا هو التوازن اللائق. لأن الأمن الذي لا يستند إلى كرامة الإنسان يصعب أن يصمد على المدى الطويل.
المصدر: هآرتس
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



