د. يوسف جبارين: الجريمة ليست قدرًا.. مجتمعنا يرفض التطبيع مع مشهدية الإجرام

تمرّ السنوات الأخيرة ومجتمعنا يعدّ فيها ضحاياه جرّاء العنف والجريمة، ندفن القتلى، ونعالج المصابين، ونتضامن مع المهددين. ونتساءل جميعًا، من التالي؟ من سيكون الضّحيّة التالية؟ وأين ستكون الجريمة القادمة الّتي سنشهدها؟ بل اين ستكون الجنازة القادمة التي سنخرج بها؟

الحراك الشّعبيّ الّذي شهدته سخنين وعمّ العشرات من بلداتنا العربية بشكل غير مسبوق في الأسبوع الأخير احتجاجًا على تفشي العنف والجريمة وتواطؤ المؤسّسة والشّرطة الإسرائيليّة كشف في حقيقة الأمر أنّ مجتمعنا لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وأنّه لا يمكن أن نقبل بأنّ أطفالنا يخافون الخروج من منازلهم خوفًا من رصاصة غادرة، وبأنّنا كمجتمع لا نتمكن من ممارسة حياتنا بشكلٍ طبيعيّ، وكأنّه كُتِبَ لنا الخوف والترهيب في بلداتنا وشوارعنا واحيائنا.

الحقيقة هي أن العنف والجريمة ليسا قدرًا محتومًا، وليسا جزءًا من “ثقافتنا” كما يدّعي العنصريون والفاشيون، بل هي نتاجُ سياساتٍ حكوميّة، نتاج الإقصاء المجتمعيّ والاقتصاديّ، نتاج غياب سياسات التخطيط وعدم السّماح لبلداتنا بالنمو والتّطوّر بشكلٍ طبيعيّ، ونتاج التقاعس، بل التّواطؤ الشّرطيّ والّذي أتاح تشكّل عصابات الإجرام، بل ومنحها “حكمًا ذاتيًا” داخل مجتمعنا.

في الأسابيع الأخيرة يدور نقاش هام وضروري في مجتمعنا حول آلياتنا وأدواتنا وسُبلنا لمواجهة هذه الآفة الخطيرة، ويتمّ التداول بجملةٌ من الأفكار والآراء المطروحةٌ على الطاولة، بدءا من الاضرابات والاعتصامات الاحتجاجية في مفارق الطرق، مرورًا باضرابات مفتوحة ومقاطعات إقتصادية موثرة، وصولًا إلى العصيان المدني. وهي خطوات تصعيدية يجب التّعاطي معها بجديّة ورفع مستوى جهوزيتنا الجماعيّة لها وكذلك فحص انعكاساتها علينا. ان نجاح هذه الخطوات التصعيديّة يتطلّب توافقًا مجتمعيًا كبيرًا، يصل تقريبًا إلى حدود الإجماع، وجهوزية تنظيميّة عالية، بحيث نبعث من خلالها برسالةٍ إلى المؤسّسة الحاكمة، بل إلى الدّولة برمتها، أنّه اذا لم تحفظ لنا الدولة حقّنا الأساسيّ بالحياة الآمنة، فإنّنا لن نحفظ لها الحياة العادية! علينا الانتقال من مرحلة طرح الافكار، إلى مرحلة التّخطيط العمليّ، من خلال هيئاتنا التمثيلية، بما يشمل كل الأحزاب والحراكات، المؤسّسات والجمعيات والنقابات، وكافّة القطاعات المهنيّة والمجتمعيّة في مجتمعنا، للتحضير والتنفيذ بشكلٍ جماعيّ.

وضمن هذا السياق، فلا يمكن تجاهل ضرورة إحداث تغيير سياسيّ متمثّل بتغيير الحكومة والائتلاف الحاكم، إذ أنّه مع هذه الحكومة المتطرفة ووزير “الأمن القوميّ” الكهانيّ يبقى الأفقُ محدودًا جدًا. هذا الواقع الّذي عايشناه واختبرناه عن كثب في السّنوات الاخيرة يزيد من المسؤوليّة الملقاة على عاتقنا، قيادةً ومجتمعًا، أن نبذل قصارى جهدنا في الانتخابات القادمة لرفع نسبة التّصويت في المجتمع العربيّ، بحيث نساهم مساهمةً جديّة بالتّسبب بخسارة الائتلاف العنصري الخطير المتمثل بنتنياهو-سموتريتش-بن غفير.

هذا العام هو عام  الانتخابات البرلمانية، والقائمة المشتركةُ كانت وما زالت اطار سياسي مركزي ومجرّب لرفع نسبة التّصويت، لزيادة الإرادة لدى أبناء وبنات مجتمعنا بالمشاركة السّياسيّة الواعية والفعّالة، وهذا الأمر سيؤثّر بالضّرورة على نتائج الانتخابات النّهائيّة وعلى مبنى الحكومة القادمة. لذلك، إعادة تشكيل القائمة المشتركة هو أيضًا مسارٌ لا بدّ أن نسلكه عندما نفكّر بمواجهة العنف والجريمة في مجتمعنا العربيّ.

اما في البُعد الدّوليّ، فمن الأهمية بمكان تكثيف طرح قضيّة العنف والجريمة على جدول الأعمال الدّوليّ بهدف الضّغط على الحكومة الحاليّة والحكومات القادمة، وخاصة أمام المؤسسات للدولية الوازنة، مثل الاتحاد الاوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي، وغيرها. لا شك اننا قطعنا شوطًا جدّيًا بهذا الصدد خلال السنوات التي نشطنا فيها في لجنة العلاقات الدّوليّة في القائمة المشتركة، لكن الكثير من العمل غير المُنجز ما زال أمامنا. وعلى الرّغم من أهميّة هذا المسار الدّوليّ لعملنا، علينا ألا نُغفِل أن هذا مسارٌ مكملٌ للجهود الّتي نبذلها هنا في البلاد، وليس المسار الأساسيّ. عملنا الأساسيّ كان وما زال هنا في الميدان، مع مجتمعنا، مع أبنائنا وبناتنا.

الآن أكثر من أي وقتٍ مضى علينا ألا نستكين، وأن لا نسمح لخطاب اليأس أن يتسلل إلى دواخلنا. لسنا ضلعًا قاصرًا، ولسنا مجتمعًا فاقدًا للقوّة والقدرات، بل نملكُ من القدراتُ الكثير، ونملك أيضًا من القوّة الكثير. نعم، نحن قوّة سياسية، وقوّة اقتصادية، وقوُة مجتمعيّة، ونستطيع أن نكون قوّة دولية أيضًا.

يجب أن لا نستهين بقوّتنا الّتي تتضاعف عندما نكون موحدين ومتّحدين.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى