د. عطاف مناع صغير :التفكير الناقد في الشعر العربي قديمه وحديثه

في زمنٍ تتكاثر فيه الآراء الجاهزة وتشتدّ فيه الحاجة إلى الوعي النقدي، يبرز الشعر العربي، قديمه وحديثه، بوصفه مجالًا ثقافيًا خصبًا لإعمال العقل ومساءلة الواقع. فلم يكن الشعر مجرّد تعبيرٍ جمالي أو وجداني، بل شكّل عبر تاريخه وسيلةً لنقد السلوك الإنساني، ورفض الجمود الفكري، والدعوة إلى التفكير الواعي. ومن هذا المنطلق، تتجلّى في الشعر العربي ملامح التفكير الناقد التي تتقاطع مع المفاهيم التربوية والفلسفية الحديثة.

مفهوم التفكير الناقد

يعرّف روبرت أنيس (2011) التفكير الناقد بأنّه القدرة والرغبة في الانفتاح على الأفكار بغضّ النظر عن معتقدات الفرد، والانخراط في تفكير تأمّلي ومتوازن، بما يسهم في مقاومة الأحكام المسبقة وتجاوز الآراء الجامدة التي تعيق تقدّم الفرد والمجتمع. كما يرى بول والدر (2020) أنّ التفكير الناقد يُعدّ أساسًا للتعليم الجاد، وقوةً تربويةً مُحرِّرة، وموردًا فعّالًا في الحياة الشخصية والمدنية، لما له من دور في بناء الوعي والمسؤولية.

المتنبي ونقد الجمود العقلي

قال أبو الطيب المتنبي (915م – 965م)، الملقّب بشاعر العرب:

لكلِّ داءٍ دواءٌ يُستطبُّ به ** إلّا الحماقةَ أعيَتْ من يُداويها

يحمل هذا البيت رؤية نقدية عميقة لغياب العقل الواعي والانغلاق الذهني. فـ«الحماقة» لا تُفهم هنا بوصفها ضعفًا فطريًا، بل باعتبارها رفضًا لإعمال العقل في المراجعة والتأمّل، وهو ما يجعل صاحبها عاجزًا عن تصحيح أفكاره أو تطوير وعيه. ويتقاطع هذا المعنى بوضوح مع مفهوم التفكير الناقد، الذي يقوم على مراجعة الذات والانفتاح على الحجج المخالفة، ورفض التصلّب الفكري.

أحمد شوقي وقيمة العلم

وقال أحمد شوقي (1868 – 1932)، الملقّب بأمير الشعراء:

العلمُ يبني بيوتًا لا عمادَ لها ** والجهلُ يهدمُ بيوتَ العزِّ والكرم

يجسّد هذا البيت مكانة العلم بوصفه أساسًا للبناء الحضاري والإنساني، ويؤكّد أنّ الجهل سببٌ رئيس في انهيار المجتمعات. ويتقاطع هذا الطرح مع ما أشار إليه بول والدر (2020)، إذ يُعدّ التفكير الناقد ركيزةً للتعليم الجاد، لا يقتصر دوره على تنمية المهارات العقلية، بل يمتد ليكون أداةً للتحرّر الفكري والمشاركة الواعية في المجتمع.

التفكير الناقد وبناء المجتمع

يسهم ترسيخ التفكير الناقد في التعليم في تمكين الأفراد من فهم المعرفة، وتحليلها، ومناقشتها، واتخاذ قرارات واعية في حياتهم الشخصية والمدنية. ومن ثمّ، فإنّ الجمع بين الشعر والعلم والتفكير الناقد يشكّل أساسًا متينًا لبناء مجتمعٍ قائم على القيم، وقادر على تقديم الحجج المنطقية، ومواجهة التحدّيات الفكرية بعيدًا عن الجهل والتقليد الأعمى.

إجمال

يُظهر الشعر العربي، في عصوره المختلفة، حضورًا واضحًا للتفكير الناقد من خلال الدعوة إلى إعمال العقل ونقد الجمود الفكري. وقد جسّد شعراء كبار، مثل المتنبي وأحمد شوقي، هذه القيم في نصوصهم، مؤكدين دور العقل والعلم في نهضة الفرد والمجتمع .

إنّ إعادة قراءة الشعر العربي في ضوء التفكير الناقد تُبرز قيمته التربوية والمعرفية، وتفتح المجال لتوظيفه في تنمية الوعي النقدي، بما يسهم في بناء إنسانٍ واعٍ، منفتح، وقادرٍ على المشاركة الفاعلة في مجتمعه.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى