المحامي علي أحمد حيدر: نحو تأسيس نقابات مهنية عربية

استعرضنا أكثر من مرة الاستراتيجيات المركزية التي يمكن للمؤسسات والمجموعات الأهلية والجماهيرية والتمثيلية العربية الفلسطينية في الداخل استخدامها من أجل إحداث تغيير مجتمعي وسياسي فعّال.
إن استراتيجية بناء وتنظيم المجتمع وتمكينه تُعدّ الاستراتيجية المركزية والأساسية القادرة على أن تشكّل رافعة حقيقية لمجمل الاستراتيجيات الأخرى. وفي اعتقادي، نحن في أمسّ الحاجة، في هذا الظرف التاريخي، إلى تنظيم أنفسنا وتنجيع أدائنا في جميع المستويات والمجالات، بدءًا من لجنة المتابعة، مرورًا بلجنة رؤساء السلطات المحلية، والقائمة المشتركة، وصولًا إلى مؤسسات المجتمع الأهلي، وذلك انطلاقًا من قناعتنا الراسخة بأنه لا يمكن إحداث تغيير حقيقي ما لم تتوفر قيادة مؤهلة، ورؤية واضحة، وأهداف قابلة للتطبيق، تنبع من وعي عميق وتستند إلى مرجعية أخلاقية، وطنية ومهنية رفيعة.
من هنا نؤكد مرة أخرى على ضرورة استثمار الحراك الشعبي الراهن، والسعي إلى تأسيس نقابات، واتحادات، ومنتديات مهنية عربية، تزاوج بين الهوية الوطنية والهوية المهنية، ويمكن تأسيسها بمبادرات محلية أو مناطقية، ثم تتوسع لتصبح أطرًا قُطرية، سواء انطلقت من القواعد المهنية الشعبية، أو بإيحاء وتنسيق وتوجيه من قبل لجنة المتابعة.
إني أرى في هذه الأطر والهيئات والنقابات جزءًا من تصور عام لتنظيم المجتمع الفلسطيني ضمن إطار مجلس أعلى للجماهير العربية يُنتخب بشكل مباشر. ومع ذلك، فإنني على وعي تام بأن تحقيق هذا الهدف قد لا يكون قريب المنال، ولذلك أقترح مرحلة بنيوية وانتقالية تُرفد لجنة المتابعة والمجتمع بطاقات مهنية جديدة، من خلال بناء الأطر، وتوسيع المشاركة، وتعزيز الدمقرطة والانتماء.
تُسهم هذه الأطر في إحداث توازن خلاق بين الجوانب الفردية، مثل التطور المهني من جهة، وبين العطاء والمشاركة الجماعية من جهة أخرى، عبر توفير مجموعات مهنية داعمة، وخلق مساحات للتشبيك والتواصل. وهي بذلك تعزز التوازن بين النجاحات الفردية والنجاحات الجمعية، وتُسهم في دمقرطة المجتمع من خلال تأسيس هيئات مهنية ديمقراطية، منتخبة ومستدامة، تربط بين المجتمع ككل ولجنة المتابعة.
من المتوقع والمأمول أن تشجّع هذه الاتحادات التواصل والتنسيق فيما بينها، بما يتيح التخطيط المشترك لمساندة لجنة المتابعة، خاصة في حالات الطوارئ، بحيث تساند النقابات بعضها البعض في ظروف الإضرابات، والاحتجاجات، والاعتقالات، والهبات الشعبية. وهي أيضًا تفتح المجال أمام ابتكار واستحداث وسائل وأدوات جديدة للنضال والعمل الجماعي.
هناك بعض النقابات والأطر التي أُقيمت في السابق، لا يزال جزء منها قائمًا وفاعلا، فيما توقف جزء آخر عن العمل مثل: جمعية أطباء الأسنان، جمعية الأخصائيين النفسيين، طاقم الأطباء العرب في النقب، طواقم مديري أقسام الرفاه الاجتماعي، أمناء المكتبات، معلمي السياقة، لجان أولياء الأمور، رابطة المهندسين والمعماريين العرب، اتحادات الكتّاب والشعراء، روابط الصحفيين والإعلاميين، واتحاد الجمعيات العربية، وغيرها. من الضروري إجراء مسح شامل لهذه المبادرات، وفحص عوامل نجاحها أو إخفاقها، والتعلّم من تجاربها ومميّزاتها.
من المهم الإشارة إلى أنه في حال تأسيس نقابات عربية، لا ينبغي الانسحاب من النقابات العامة أو المشتركة، بل على العكس، فإن وجود أطر ونقابات عربية مستقلة من شأنه أن يعزز قوة الحضور العربي داخل هذه الأطر المشتركة (اليهودية–العربية)، ويحقق مكاسب إضافية وأثرًا أكبر.
تُعمّق هذه النقابات العلاقة بين أصحاب المهن في مواقع جغرافية متنوعة، وتزيد من مستويات التشبيك والتواصل والتعاضد المجتمعي. كما تتيح للأجيال الأكبر من المهنيين أن تلعب دورًا إرشاديًا ورعائيًا لجيل الشباب، بما يسهم في تطوره المهني وتشكّله الوطني. إضافة إلى ذلك، يمكن لهذه النقابات أن تنسج علاقات تعاون مع نقابات أخرى في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي العالم العربي والعالم أجمع، وأن يكون لها تأثير على المستوى الدولي.
من أجل التقدم في هذه المسيرة، لا بد من إجراء بحث شامل حول ما هو قائم اليوم، ووضع برنامج واضح يحدد أيّ النقابات أسهل تأسيسًا وأكثر أهمية في المرحلة الأولى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه السيرورة تتطلب وقتًا طويلًا. ولذلك ينبغي وضع أولويات دقيقة، ومراعاة عدم التنافس مع الجمعيات والأطر القائمة، بل السعي إلى التعاون والتكامل معها.
إن تأسيس الهيئات والنقابات يساهم في إشراك قدرات عربية جديدة في الشأن العام، من خلال المعرفة والخبرة والتجربة الشخصية، الأمر الذي يؤدي إلى تكامل مجتمعي أوسع وأعمق.
يمكن أن تشكّل هذه النقابات ما يشبه “حكومة ظل”، بحيث يتابع كل منتدى مهني إسقاطات القوانين والقرارات ذات الصلة بمجال اختصاصه على المجتمع العربي، ويبادر إلى نشاطات عملية ومهنية في هذا السياق.
كما تسهم في زيادة عدد المختصين العرب القادرين على الظهور والتأثير في الإعلام العبري والعربي والأجنبي، وتعزيز العمل الجماعي، وترسيخ قيم التضامن والتكافل الداخلي، ونقل المجتمع من موقع ردّ الفعل والتذمر والشكوى إلى موقع المبادرة والفعل وتحمل المسؤولية.
وتعزز هذه الأطر مشاركة النساء والشباب، وأشخاص من مشارب وخلفيات مختلفة، ومن مواقع جغرافية متنوعة في الجليل، والمثلث، والنقب، ومدن الساحل، والبلدات المختلطة.
نقترح، في هذا السياق، العمل على إقامة النقابات والمنتديات التالية: المحاسبون العرب، الحرفيون والفنانون، العاملون في المواصلات العامة، المحاضرون، المحامون والحقوقيون العرب، الفلاحون والمزارعون، الجمعيات العربية، الصيادلة العرب، رجال ونساء الأعمال، العاملون في مجالات الصحة والطب، العاملون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، المؤسسات المالية والمصرفية، المقاولون، الأئمة والخوارنة ورجال الدين من مختلف الطوائف، المربّون والمعلمون، العاملون الاجتماعيون، مديرو المراكز الجماهيرية والثقافية، التجار وأصحاب المصالح، عمال البناء، العلماء العرب، إضافة إلى منتدى لإدارات الفرق والمنتديات الرياضية، وخصوصًا فرق كرة القدم.
من الضروري التعلّم من تجارب النقابات والاتحادات التي أُقيمت سابقًا، بما في ذلك نجاحاتها وإخفاقاتها، والبناء على هذه الخبرات. كما ينبغي وضع سلّم أولويات واضح لتأسيس أطر جديدة أو إعادة إحياء الأطر غير الفاعلة، وذلك من خلال تشكيل مجموعات مبادِرة قادرة على العطاء، والإخلاص، والاستمرارية، وبدعم ومساندة من لجنة المتابعة ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة.
لا يمكن إحداث تغيير حقيقي دون توفر قيادة مؤهلة، ورؤية واضحة، وأهداف قابلة للتطبيق، تنبع من وعي عميق، وتستند إلى مرجعية أخلاقية راسخة، وإرادة قادرة على التغلب على المعيقات، إلى جانب الإخلاص، والمثابرة، والتعاون، والتكامل، والمعرفة، والتواصل بين أصحاب الشأن. كما أن تقييم الأداء، ومراجعة الأهداف والأدوات بشكل دوري، يُعدّ أمرًا ضروريًا لتقويم العمل، وتحسينه، والوصول إلى تحقيق الرؤية والغايات المنشودة.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



