وفاء زعبي: حين تُخرس صرخة الأطفال دويَِّ الرصاص!

​كأبناء هذا المجتمع لم يعد الصمت خياراً. فلم يعد الدم العربي في هذه البلاد مجرد خبر عابر يطوي صفحات النسيان مع إشراقة كل فجر، بل تحول إلى قيد يدمي معصم الوجود، وسؤالا كيانياً يطرق أبوابنا مع كل رصاصة غادرة.

إن ما يشهده المجتمع العربي في الداخل اليوم ليس مجرد “ظاهرة إجرامية” طارئة، بل هو تآكل بنيوي حاد في نسيجنا المجتمعي، واغتيال معنوي ومادي لحقنا الأساسي في الأمان، وسط حالة من الاستباحة التي لم تعد تفرق بين بيت وعمل، أو بين زقاق ومدرسة.

  • من سخنين: جغرافيا الوجع وصحوة الغضب

حين يشتعل الغضب الصادق، تسقط الحواجز وتتحد الأصوات. من سخنين الجريحة، بوصلة النضال الدائمة، مراراً بالناصرة وعراقتها التي بات يهدد أمنها رصاص الغدر، وصولا إلى الوقفات الشامخة في باقة الغربية وأم الفحم وطمرة، انتفضت المدن والقرى في هبة إنسانية بحتة.

لم يخرج هؤلاء المواطنون بحثاً عن ترف، بل خرجوا دفاعاً عن “حق البقاء” في مواجهة غول الجريمة الذي بات ينهش الأخضر واليابس، وفي ظل تقاعس شرطي مؤسساتي يثير من الريبة أكثر مما يوفر من الطمأنينة، تاركاً المواطن وحيداً في مواجهة مصيره.

  • طمرة: أيقونة العصيان السلمي

في الأسبوع الأخير، تحولت مدينة طمرة إلى أيقونة للمقاومة السلمية. لم تكن المظاهرة الحاشدة التي انطلقت في شوارعها رغم الأمطار مجرد مسيرة تقليدية، بل كانت تظاهرة سوسيولوجية جمعت الشيب بالشباب، والناشط السياسي بالطالب المدرسي.

لقد أعلنت طمرة إضراباً عاماً وشاملا، لم يكن لتعطيل الحياة، بل لإعلان أن الحياة المعرضة للقتل ليست حياة تستحق الصمت.

جاء هذا التحرك الشعبي رداً مدوياً على الحادثة الشنيعة التي تعرض لها طلاب مدرسة البيروني لخطر مباشر، حيث دوي الرصاص بمحاذاة الحرم المدرسي، محولاً مقدسات العلم إلى ساحة رعب سريالية. كيف لجيل أن يبدع وهو يرى الرصاص لا يحترم حرمة زمان ولا قدسية مكان؟

  • صرخة البراءة في وجه الجريمة

وسط هذا المشهد القاتم، اخترق صمت الوجع صوتا طفوليا صارخاً، وضع النقاط على الحروف ببراعة تفوق خطابات الساسة. وقفت الطالبة تالين حجازي، رئيسة مجلس الطلاب في مدرسة البيروني لتقول أمام الجماهير: ​”أمننا حق، ومستقبلنا أغلى من الرصاص”.

كلمات تالين لم تكن شعاراً عابراً، بل كانت بياناً حقوقياً باسم جيل كامل يرفض أن يترعرع على وقع البارود. هي صرخة امتعاض للأطفال الذين باتوا يشعرون بفقدان الأمان في طريقهم إلى مقاعد العلم، تلك المقاعد التي نأمل أن تنير مستقبلهم، بينما تحاول يد الإجرام إطفاء شعلة الأمل قبل أن تتقد، وتغمغم أحلامهم بسواد الخوف والارتباك.

  • المسؤولية ما وراء الصرخة

إن الحالة الراهنة تستدعي قرارات رصينة،  فنحن لا نواجه رصاصاً طائشاً فحسب، بل نواجه انهياراً للعقد الاجتماعي نتيجة غياب الردع الممنهج. إن الأمن الشخصي هو الركيزة الأولى للمواطنة، وبدونه تتحول مدننا العريقة إلى غابات يسكنها الخوف.

إن ما فعله أهالي طمرة، وطلابها، وناشطوها، هو خط الدفاع الأخير عن هويتنا. إنها صرخة جماعية تؤكد أن حراك الوعي هو السلاح الوحيد الذي لا ينفد في وجه العبث.

لقد آن الأوان لتدرك الحكومة المتقاعسة أن دماءنا ليست رخيصة، وأن صرخة أطفالنا في مدرسة البيروني هي الشرارة التي لن تنطفئ حتى يستعيد الشارع العربي هيبته، وتستعيد الحقيبة المدرسية أمانها.

** الكاتبة وفاء زعبي: صحافية وباحثة اجتماعية، حاصلة على الماجستير في الإدارة والسياسة والقيادة. متخصصة في تحليل وتوجيه الحوارات حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتنشط في تغطية القضايا المجتمعية والسياسية.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى