د. رافع يحيى: صمت الكتابة!

أُقيمُ في السؤال، لا أمرّ به عابرًا، بل أسكنه كما يُسكن البيتُ ساكنَه. ويأتيني العتاب من أكثر من حيّزٍ ودولة، من أصدقاء يظنّون أنّ الكتابة عادةٌ لا تنقطع: لماذا لا تكتب؟ ولماذا يبدو صمتُك أطول من اللازم؟
لا أجادلهم، فالكاتب لا يختار الصمت دائمًا؛ أحيانًا الصمت هو الذي يختاره، حين تتعب المعاني من أداء دورها، وحين تفقد الكلمات قدرتها على الادّعاء. كثيرون قبلي دخلوا هذا الفراغ، هذا الهامش الرماديّ بين الرغبة والقدرة، بين الفكرة حين تلمع، والنصّ حين يعجز عن حملها.
لم أصمت لأنّ الطرق أُغلقت، ولا لأنّ اللغة خانتني، ولا لأنّ مقصّ الرقيب كان أسرع من الفكرة. صمتُّ لأنّ الشغف انسحب بهدوء، كضيفٍ شبع من الكلام، وغادر من غير ضجيج ولا وداع.
معارج الكتابة ما تزال قائمة، والأدوات متوفّرة، واللغة ما زالت طيّعة، لكنّ الصعود بلا معنى حين لا نعرف إلى أيّ سماءٍ نتّجه.
العزوف عن الكتابة السياسية والمجتمعية والثقافية ليس هروبًا، بل شكٌّ عميق في الجدوى. شكٌّ في قدرة الجملة على المقاومة، وفي قدرة المقال على إنقاذ ما يتداعى. فما الذي تفعله الكلمات أمام عالمٍ اعتاد الضجيج، ولم يعد يُصغي؟
المسافة الحقيقيّة ليست بين الكاتب والقارئ، بل بين اليد والفكرة، بين لوحة المفاتيح وضوء الشاشة، بين ما نريد قوله، وما يسمح له الزمن بأن يُقال.
أحيانًا أسأل نفسي، كما يسألني الآخرون: ما جدوى الكتابة؟ هل هي فعلُ تغييرٍ حقيقيّ، أم طقسُ عزاءٍ مؤجَّل؟ هل نكتب لنُسمِع العالم، أم لنقنع أنفسنا أنّنا ما زلنا أحياء؟
ثمّ أسأل: ما لون الكتابة الآن؟ أهي سوداء كالحبر؟ أم باهتة كلون الانتظار؟ أم شفّافة إلى حدّ أنّها لا تُرى؟
كلّ الكلمات التي أمتلكها لا تشبه صوت أمّي، ولا دفءَ نبرتها، ولا يقينها البسيط الذي لا يحتاج إلى برهان. كان صوتها وحده يكتبني، وكانت جملتها أقصر من كلّ مقالاتي، وأصدق من كلّ ما حاولت قوله.
لهذا أصمت أحيانًا، لا لأنّ لديّ ما أخفيه، بل لأنّ بعض الصمت أصدق من كتابةٍ لا تدرك أقدارها.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



