د. علي خليل جبارين: بين السياسة المأزومة وانهيار القيم.. الإنسانية الى اين…؟

يتمثل القاسم المشترك بين الأنظمة المستبدة التي شكلت,عبر التاريخ, خطرا وجوديا على الإنسانية, وأسهمت في تقويض معاني الأمن والاستقرار والسلام, وهددت جوهر الإنسان وغاية وجوده, في ذلك التقاطع أو التحالف “غير الشرعي” بين النرجسية السياسية والإيموتيفية الأخلاقية؛ أي في هذا التلاقي المشوه بين جنون العظمة لدى من اعتلوا قمم السلطة, والتآكل الأخلاقي الذي أصاب المجتمعات والمؤسسات الخاضعة لنفوذهم. إنه اقتران بين سياسة مأزومة وقيم إنسانية منهكة, تكرر ظهوره في أحلك المنعطفات التاريخية وأكثرها ظلاما, فأفضى إلى أزمة بنيوية زعزعت أسس المعايير و القواعد الأخلاقية الناظمة و الضابطة للسلوك الإنساني, وفرضت على المجتمعات تحديات جسيمة تستدعي إعادة التفكير العميق في الأسباب الجذرية التي تؤدي إلى تكرار مثل هذه الظواهر المرعبة.
تشير النرجسية السياسية إلى نزوع بعض الحكام إلى تحويل السلطة التي يبلغونها, غالبا عبر وسائل “مشروعة”, إلى أداة لتضخيم ذواتهم. فيغدو الحاكم محور الدولة ومصدر شرعيتها الأوحد, وتقدم أفكاره و تصوراته بوصفها حقائق نهائية لا تقبل النقاش, بينما يهمش دور المؤسسات والقوانين, أو يعاد توظيفها لتخدم طموحه الشخصي ومجده الذاتي. وفي ظل هذا التصور، تقمع الأصوات الناقدة,ويحتكر القرار السياسي, ويختزل الوطن في شخص الحاكم.
أما الإيموتيفية الأخلاقية, كما يشرحها الكاتب و الفيلسوف الاسكتلندي ألاسدير ماكنتاير, فتعني اختزال القيم الأخلاقية في مشاعر ورغبات فردية, لا في معايير مشتركة وملزِمة. وحين تسود هذه الرؤية, تغدو مفاهيم كالعدل والكرامة الإنسانية والمساواة وحقوق الإنسان رهينة مزاج الحاكم ومصالحه الآنية, بدل أن تستند إلى مبادئ ثابتة ومتوافق عليها. وبهذا تفقد القيم بعدها الإنساني الكوني,وتتحول إلى مجرد أدوات تسخر لتبرير السلطة, فتغدو الأخلاق نسبية, سياقية ومتقلبة, خاضعة لإرادة من يمسك بزمام الحكم.
إن هيمنة هاتين النزعتين على المجال السياسي شكلت تهديدا وجوديا للإنسانية, إذ أفضت إلى إخضاع قرارات مصيرية تمس مستقبل الشعوب وأمنها للأهواء الفردية والمصالح الضيقة للنخب الحاكمة, ففرغت القيم من مضامينها وتحولت إلى شعارات تستعمل لخدمة القوة والمنفعة, بينما غدت المؤسسات التي أنشئت لترسيخ العدل والسلام والحرية هياكل شكلية فاقدة للشرعية والفاعلية. ونتيجة لذلك, تآكلت الثقة المجتمعية, وضعفت البنى المؤسسية, وارتهنت العدالة لموازين القوة بدل أن تكون مبدأثابتا يحمي الإنسان وحقوقه, حتى فقدت السياسة معناها الأخلاقي وأصبحت ممارسة متقلبة ومزاجية تعكس إرادة فئة ضيقة. ويشبه ألسدير ماكنتاير هذا الوضع بمحاولة إحياء العلوم الطبيعية بعد كارثة دمرتها بالكامل وادت الى مقتل علمائها الحقيقيين, فلم يبق منها سوى هياكل, أشكال, أسماء او عناوين جوفاء يتداولها أشباه علماء, بعد أن غاب جوهرها الأصيل القائم على المعرفة والمسؤولية.
إن هذه الحالة البائسة لمحاولة إعادة بناء العلوم الطبيعية,كما صورها ماكنتاير, لا تختلف كثيرا عن حال الإنسانية حين تفقد المعنى العميق للأخلاق والقيم والمبادئ, بعد فصلها عن جذورها الدينية وامتداداتها التاريخية والحضارية وبعدها الإنساني. عندئذ تتحول القيم إلى شعارات جوفاء أو أدوات تسخر لخدمة أهداف شخصية وفئوية, وغالبا ما تستغل لتبرير القمع و الظلم والإقصاء و الاستحواذ الغير مبرر بدلا من مقاومة هذه الظواهر والقضاء عليها.
ختاما, يظل السؤال الجوهري: كيف يمكن للبشرية الخروج من هذا المأزق ومنع تكرار هذه السيناريوهات القاتمة؟ إن المخرج الحقيقي يكمن في استعادة الوعي الأخلاقي,وترسيخ تربية تقوم على فهم ديني واعٍ لغاية وجود الإنسان, أساسها عبادة الله وخدمة البلاد والعباد بما يرضي الله, وربط العمل السياسي بمرجعيات أخلاقية تتجاوز الأهواء والمصالح الآنية. كما يتطلب الأمر وعيا جمعيا يرفض التدهور الأخلاقي ويقاوم التسلط الناتج عن النرجسية السياسية, وألا يقبل هذا الانحطاط بوصفه واقعا طبيعيا. فالسلطة أمانة, والقيم ثوابت لا يجوز العبث بها, والإنسان ليس أداة في صراعات المصالح أو ضحية لجشع أو عنصرية. وحقه في العيش الكريم والازدهار على أرضه حق أصيل يجب أن يكون مكفولا أخلاقيا وسياسيا وقانونيا.
والله الموفق و المستعان
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



