د. علي خليل جبارين: وفاء زيتونة..!

على مدى قرون طويلة ارتبط الإنسان الفلسطيني بأرضه بعلاقة فريدة ومميزة, وكانت شجرة الزيتون في حياته رمزا للوفاء والعطاء والجمال, وأحد أبرز معالم تاريخه وجغرافيته. فقد شكلت جزءا أصيلا من ذاكرته الجمعية, ومنحته ثمرا كان غذاء ودواء وزيتا أنار البيوت والطرقات ودور العبادة من مساجد وكنائس حين ندرت وسائل الإنارة. وكان موسم قطافها مناسبة لاستحضار الذاكرة المشتركة, وغرس القيم النبيلة التي توارثتها الأجيال وترسيخ معنى الانتماء العميق إلى أرض الآباء والأجداد, بما يجسد معاني الألفة والتعاون والعيش المشترك. كما أدت دورا معيشيا واقتصاديا مهما, إذ أسهم عائد بيع زيتها وثمرها في تعليم الأبناء, وبناء البيوت, وتزويج الشباب. فكانت موردا يعزز البقاء ورمزا روحيا واجتماعيا يشحذ العزيمة, وذاكرة حية تتجلى في مواسم القطاف والولائم والأغاني الشعبية.
على الرغم من أنها لم تنطق بكلمة, ولم ترفع شعارا, ولم تصدر بيانا أو تعلن موقفا, فإن العلاقة التي تجمع الفلسطيني بشجرة الزيتون ازدادت قوة ومتانة مع مرور السنين. فهي شجرة جامعة لا تفرق بين عرق أو دين أو لون. الجميع يستظل بظلها ويجني من ثمرها. وعلى امتداد الأعوام غدت مرآة لواقعه, تكشف زيف الروايات وهشاشة السرديات المفبركة. وقد أدرك زارعها أنها شاهد أزلي عصي على التزوير وهوية راسخة لا تزعزع وحضور شامخ يتصدى للمشاريع المشبوهة وللخرائط المرسومة بغطرسة القوة, وللحدود التي تفرض قسرا لتشويه جغرافيا المنطقة وتاريخها. لذلك احتضنها بمحبة وبادلها الوفاء، فبقيت صامدة عبر السنين, من غير شعارات أو خطابات.
ختاما, في عالم يسعى إلى محو الذاكرة, تضرب الزيتونة جذورها في الصخر, وتخط على جذعها تاريخ المكان وتقلبات الزمان, وتروي حكايات من استظلوا بها ثم مضوا بلا عودة. بصمت وقور تتحدى العنف والبطش, مؤكدة أن ما ترسخ في الأرض لا يقتلع. وقد خلدها القرآن الكريم واصفا بركتها, صفائها ونقاءها في قوله تعالى: ﴿شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾. كما تغنى بصمودها محمود درويش قائلا: “على هذه الأرض زيتونة لا تموت”, واحتفت فدوى طوقان بصبرها: “لأجلك يا زيتونة الأرض, يا نبض ترابها الحي, نحمل الصبر في جذورنا كما تحملينه في صخور الجبال”. ولعل أصدق وفاء لهذه الشجرة المباركة أن نغرس اكبر عدد منها كل عام, لتبقى ذاكرة حية، وتاريخا متجددا, واقتصادا نابضا, وحكاية أرض تتوارثها الأجيال.
والله الموفق والمستعان
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



