الشيخ الدكتور محمد بدران: بين الشوق والاستعداد: لحظة الوقوف على أبواب رمضان

** الكاتب هو مدير عام دار الإفتاء والبحوث الإسلامية/الداخل الفلسطيني
حين نقف على عتبات رمضان، لا نكون أمام شهرٍ جديد في التقويم فحسب، بل أمام حالةٍ روحيةٍ تتقدّم فيها مشاعر الشوق على حساب الأيام. إنّها لحظة فاصلة بين ما كنّا عليه، وما نرجو أن نكونه. في هذه اللحظة، يشعر القلب بنداء خفيّ يدعوه إلى التخفّف من أثقال العام، والاستعداد لاستقبال موسم الرحمة والمغفرة. قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185)، فهو شهر الهداية قبل أن يكون شهر الامتناع.
* الشوق إلى رمضان: حنين الأرواح للصفاء
الشوق إلى رمضان ليس عادة اجتماعية، بل هو حنين فطري تعيشه الأرواح التي ذاقت حلاوة القرب من الله. كان الصحابة رضوان الله عليهم يدعون الله أن يبلّغهم رمضان، فإذا بلغوه دعوا أن يتقبّله منهم، إدراكًا منهم لعظمة هذا الموسم. وقد قال النبي ﷺ: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” (رواه البخاري ومسلم). فالشوق الصادق هو الذي يُترجم عملًا، لا انتظارًا سلبيًا.
* الاستعداد الحقيقي: تهيئة القلب قبل الجسد
الاستعداد لرمضان لا يبدأ بشراء الطعام أو تنظيم الموائد، بل يبدأ من الداخل: بتوبة صادقة، ونية خالصة، وعزم على التغيير. فكم من صائم لم ينل من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم حُرم الأجر لغياب الإخلاص. قال النبي ﷺ: “رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ” (رواه ابن ماجه).ومن هنا كان الاستعداد القلبي أساس القبول.
* القرآن في القلب: ميثاق الشهر وروحه
لا يكتمل الاستعداد لرمضان دون تجديد العهد مع القرآن الكريم، فهو روح هذا الشهر ونبضه. فرمضان شهر أُنزل فيه القرآن ليكون منهاج حياة، لا كتاب تلاوة موسمية. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9). فمن أراد أن يحيا رمضان بعمق، فليجعل للقرآن حضورًا يوميًا بالتلاوة والتدبّر والعمل.
* إصلاح العلاقات: صيام الجوارح قبل الإمساك
ومن تمام الاستعداد لهذا الشهر الكريم أن يصوم الإنسان عن الأذى قبل أن يصوم عن الطعام. فرمضان مدرسة للأخلاق قبل أن يكون عبادة جسدية. إصلاح ما فسد من العلاقات، وردّ الحقوق، والعفو عمّن أساء، كلّها أعمال تهيّئ النفس لقبول الطاعة. قال النبي ﷺ: “فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ” (رواه البخاري ومسلم). فالصيام الحقّ هو ما انعكس خُلُقًا وسلوكًا.
* رمضان فرصة التحوّل: لا تكرار العادة
الوقوف على أبواب رمضان دعوة صريحة لعدم تكرار التجربة بذات الفتور. إنّه شهر فُتحت فيه أبواب الجنة، وغُلّقت فيه أبواب النار، وصُفّدت فيه الشياطين، كما أخبر النبي ﷺ. فكيف يمرّ هذا الموسم دون أثر؟ إنّ من الخسارة أن نغادر رمضان كما دخلناه، دون أن نرتقي درجة في الإيمان أو السلوك.
* خاتمة: عبور العتبة بوعي
بين الشوق والاستعداد تقف لحظة صدق مع النفس: هل ندخل رمضان كعادة سنوية، أم كضيف كريم نستعدّ له بقلوبنا قبل مظاهرنا؟ إنّ مَن أحسن الوقوف على العتبة، أحسن العبور، ومن صدَق في الاستعداد، صدق في الحصاد. نسأل الله أن يبلّغنا رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يتقبّل منّا صالح الأعمال.
اللهم ونحن على أعتاب رمضان، نقف بقلوبٍ متعبة لكنها راجية، وبأرواحٍ مثقلة لكنها مشتاقـة، اللهم بلّغنا رمضان بلوغ رحمة لا بلوغ عادة، وبلوغ قلوب لا بلوغ أيام.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



