ب. ابراهيم طه: الكبسولة الحادية والسبعون (71).. من نقرة حَجَل إلى نفرة عَجَل

كانت الحياة في بلدنا مطمئنّة هادئة.. وفي هدوئها حلاوة وطلاوة وإن قست وشظفت. كان الناطور يعقد يديه وراء ظهره، يجوب الأزقّة والحارات ويدبّ الصوت بحنجرته الفولاذيّة وأوتاره النحاسيّة، ينادي على ولد انقلب رأسه وشرد، أو بقرة قشطت رسنها وضاعت، أو يعلن عن بدء موسم الزيتون مع المخضّر..
حتّى الأعراس كانت قليلة حميميّة هادئة، إلا بمقدار ما تطلقه حناجر الرجال في صفّ السحجة والدبكة على البيادر وزغاريد النساء أمام مواقد الطبيخ لا طبول ولا زمور ولا مهرجانات..
وكنّا نصحو على صياح الديوك ونقنقة الدجاج وسقسقة العصافير ومواء القطط ونباح الكلاب وثغاء المعزى والغنم وخوار البقر وصهيل الخيل.. وهي أصوات عضويّة طبيعيّة متناغمة لا نشاز فيها ولا نشوز. ومن كان مثلي يقيم عند أطراف البلد كان يُفيق على نقر الحجل وهو يتهادى ويرشح! هذا أصخب “ضجيج” اعتدناه في تلك الأيّام!
الدنيا تغيّرت… تغيّرت الدنيا وصرعونا صرعًا بالتراكتورات والسيّارات والمفرقعات والمايكرفونات. إذا فرقعت هذه التراكتورات السائبة وفقعت جفلت البلد على بَكرة أبيها، وفزّ الواحد منّا بأربعته. فسبّهم الناس من قرائح القلوب وسبّوا الذين خلّفوهم ولعنوا الساعة التي خُلقوا فيها..
الدنيا تغيّرت وصارت عجلات السيّارات تنفر نفرًا “تفرن فَرنًا” تحفر الإسفلت حفرًا. والمفرقعات ترعد رعدًا إذا نجح الولد في امتحان الطبّ. ومكبّرات الصوت تزعق زعقًا إذا دعا أحدهم كلّ البلد رجالًا ونساءً وأطفالًا وأجنّة إلى عرس الولد، أو حطّم أحد التجّار الأسعار قبل رمضان والعيدين، أو نادى الباعة المتجوّلون على السمك العكّاوي والهريسة النصراويّة والبندورة البلديّة وخبز الطابون السخن، أو صرخ المشترون المتجوّلون “اللي عندو نحاس خربان للبيع!” و”غسّالات جلّايات برّادات خربانة للبيع”… والحبل على الجرّار. والجرّار مربوط بجَمَل. والجمل لا ينام ولا هم ينامون ولا يتركون أحدًا ينام!
سكنّا في هام (Ham). وهي قرية وادعة في ضواحي لندن. وكان بعضٌ من أطفالنا، نحن الجيران في الحيّ الهادئ الوادع، يخرجون لبعض الوقت ليلعبوا أمام البيوت. فكانت إحدى الجارات تستنكر وتحتجّ بحجّة السمعة السيّئة التي قد يتركها هذا اللعب على الحيّ كلّه والضرر الذي سيُلحقه بأسعار البيوت فيه!! غريب! الأمر ليس مُحوِجًا إلى هذه الدرجة..
يبدو أنّنابهذا العام الذي قضيناه هناك، قد أربكنا حركة الاستثمار العقاريّ البريطانيّ كلّه! نظرتُ إليها بذهول مطبق وقلت في نفسي: لو سمعت جارتنا بأذنيها ما ننتجه من ضجيج وعجيج في قرانا ومدننا، إلى أيّ حضيض كانت أسعار البيوت فيها ستنزلق حسب حسابات هذه المستورة؟!

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى