رانية عقل: الميزان المختل في رمضان!

كل عام يتكرر المشهد نفسه: صور طرود غذائية مصطفة، أياد متطوعة تبتسم، وخطاب عام يحتفي بشهر الخير. يبدو كل شيء في مكانه الصحيح. غير أن سؤالا صامتا يمر بين التفاصيل ولا يجد من يلتقطه: ماذا لو كان الميزان مختلا ونحن لا ننتبه؟
مع اقتراب شهر رمضان المبارك تتكاثر المبادرات، وتنتشر حملات الطرود الغذائية، ويعلو خطاب العطاء بوصفه ذروة التضامن الاجتماعي. غير أن التكرار السنوي لهذا المشهد يدفع إلى مراجعة أعمق: هل نخفف الفقر فعلا، أم نعيد إنتاجه بصورة أكثر لياقة؟
شهر رمضان في جوهره ليس موسما لتوزيع الصدقات، بل مناسبة لإعادة ضبط العلاقة بين الحاجة والقدرة، بين الامتلاك والمسؤولية. الصيام ليس تمرينا على الجوع بقدر ما هو تمرين على الوعي. وإذا كان الوعي فرديا في بدايته، فإنه يصبح اجتماعيا حين يتعلق بالمال والفرص وموقع الإنسان داخل مجتمعه.
حين نحصر فعل الخير في طرد غذائي يقدم في بداية الشهر، نكون قد اخترنا الطريق الأسهل. نعالج الحاجة العاجلة ونتجنب السؤال الأصعب. نعطي ما يسد الرمق ثم نغادر. في هذه الحركة السريعة يختفي سؤال البنية: لماذا بقي هذا الإنسان محتاجا عاما بعد عام؟ من يملك القرار؟ ومن يملك القدرة على تغيير شروط اللعبة؟
الإنفاق في التصور الديني لا ينفصل عن العدل. يقول الله تعالى:
“واقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان” (سورة الرحمن، الآية 9).
الميزان هنا لا يتعلق بالأسواق وحدها، بل بكل علاقة بشرية تقوم على توازن مختل. هو ميزان الفرص والاختيار والكرامة.
في مدارسنا، على سبيل المثال، تجمع المؤن وتجهز الطرود ويشارك الطلاب في ترتيبها. ثم يعود أحدهم إلى بيته ليجد الطرد ذاته على طاولته. في هذه اللحظة يتشكل درس صامت في الوعي الاجتماعي. الطفل يتعلم أين يقف داخل السلم الطبقي، لا لأن الفقر خطأ، بل لأن المجتمع قدمه له في صورة موقع ثابت، لا ظرف قابل للتغيير.
الفقر ليس وصمة، لكن تثبيته في قالب موسمي يجعله أقرب إلى هوية منه إلى حالة عابرة.
السوق في ثقافتنا ليس مجرد مكان للشراء، بل مساحة قرار ومشاركة. حين يسلب الإنسان حق الاختيار حتى في تفاصيل مائدته، يفقد شيئا يتجاوز الطعام نفسه. يفقد موقعه الفاعل داخل الدورة الاقتصادية والاجتماعية.
وقد شدد القرآن الكريم على صيانة هذا المعنى بقوله تعالى:
“ان تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم” (سورة البقرة، الآية 271).
القيمة ليست في حجم العطاء، بل في حماية الكرامة ومنع تحويل الحاجة إلى مشهد علني أو علاقة غير متكافئة.
الميزان يختل حين يصبح العطاء بديلا عن العدالة، وحين تتحول الصدقة إلى نظام موسمي لإدارة الفقر بدلا من تفكيك أسبابه. لا يحدث ذلك بسوء نية، بل غالبا بحسن نية غير مفحوصة.
شهر رمضان يمنحنا فرصة نادرة لمراجعة هذا الميزان. ليس من أجل تقليل الخير، ولا للتشكيك في المبادرات، بل من خلال إعادة التفكير في شكل العلاقة التي نبنيها. هل نبني علاقة عابرة تقوم على العطاء والتلقي، أم علاقة أطول نفسا تقوم على الشراكة وبناء القدرة؟
قبل أن نعد الطرود هذا العام، ربما يجدر بنا أن نسأل سؤالا بسيطا وأكثر عمقا: هل نريد أن نطعم فقيرا، أم أن نعيد النظر في الشروط التي تجعل فقره يتجدد كل رمضان؟
** الكاتبة رانية عقل فنانة تشكيلية وناشطة بيئية / كفر قرع
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



