ب. احمد محمود اغبارية: مطاردة صعبة في المرج الكبير!

الصّناب، أو في بعض لهجات أبناء القرى في المرج الكبير- “المُقْرَة”. هذه النّبتة اللّاذعة، ذات النّكهة الأسطوريّة، لا تنبت في مكان في الدّنيا إلّا في المرج العامر، مرج ابن عامر، وهي شبيهة بعشبة الخردلّة المعروفة، وكثيرًا ما يخلط بينهما قليلو الخبرة الذين يغيب عن علمهم أنّ ساق الخردلّة يحتوي على تجويف داخليّ فيما يخلو الصّناب من ذلك.
والصّناب يشبه نبتة أخرى معروفة لنا جميعًا، هي الفجل، لا سيّما في الشّكل الخارجيّ، الطعم الحرّاق وفي رائحة الأوراق ذات الحدّة المحبّبة على القلوب. أمّا الطّبق المعمول من الصّناب فيعتمد على سيقانها الطّريّة التي تُفرم وتُخلط باللّبن وزيت الزّيتون، ثمّ يتمّ شخل الخليط في كيس مصنوع من القماش لمدّة يومين حتّى تُصفّى آخر قطرة ماء منه، بعد أن تصبح الأكلة جاهزة توضع على موائد الإفطار أو العشاء، وتغمّس بالخبز المحمّص بعد إغراقها بزيت الزّيتون..
نبتة الصّناب تتعرّض الآن لخطر حقيقيّ في الانقراض، لا لسبب إلّا لأنّ المزارعين في الكيبوتسات المقامة على أرض المرج يطاردونها ويرشّونها بالمبيدات حيثما عثروا عليها، ولعلّهم يفعلون ذلك نكاية بالعشّاق أمثالي ممن يحملون شغفًا لا ينطفئ بهذه النّبتة الملوكيّة الفريدة.
في السّنوات الأخيرة، بتّ أطاردها كمن يطارد غزالًا برّيًّا يفرّ من مكان إلى مكان.. ففي موسم الخضار، أبدأ رحلة البحث المضني عن الصّناب في طول المرج وعرضه، فإذا عثرت عليه وأصبت منه ما يشفي غليلي، أقوم بتوزيع الغلّة على الأحباب والمريدين، خاصّة على كبار السّنّ منهم، ثمّ أعيد الكرّة في السّنة التّالية، وفي المكان نفسه، لكي أجد النبتة أثرًا بعد عين، فأبدأ رحلة بحث جديدة محاولًا الاهتداء إلى المناطق التي نجت من سطوة مزارعي الكيبوتسات ومن مبيداتهم العشبيّة.
هكذا هي حالي في هذه الأيّام؛ أبحث عن الصّناب لكي أحافظ على وجوده باعتباره جزءًا من تراث الفلّاحين في المنطقة وباعتباره تقليدًا فلسطينيًّا عمره مئات وربّما آلاف السّنين، وفيما أنا أقوم بذلك يطاردها آخرون من أجل محوها وإبادتها..!
على ما يبدو، هذه النبتة تأبى الانقراض، ما عليك إلّا أن تبحث عنها بشكل جديّ لتجدها بانتظارك عند أطراف الحقول وعلى ضفاف الأودية، اليوم مثلًا عثرت على باقة جميلة منها..

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



