شوقية عروق منصور: شهر رمضان يرتدي ثياب شبكات التواصل الاجتماعي

كلما قدم شهر رمضان نكتشف أننا دخلنا شهراً جديداً في ملامحه، حيث تركض المقارنات بين شهر رمضان الماضي والحاضر، ونردد بيننا وبين أنفسنا أن هذا الشهر لا يمت بصلة إلى شهر رمضان السابق، وهكذا ندور في دائرة التفاصيل الغائبة ونذرف دمعة حيث تحملنا إلى إيام صنعت من وجودها تاريخاً يجلس على قارعة الذاكرة والذكريات .

هل أكتب عن أبي وأمي وأفراد عائلتي وجميع أهالي الحارة حين كانوا يضعون آذانهم على الاذاعات العربية، ينتظرون الدول العربية التي تعلن رؤية هلال رمضان، وكانوا يصومون حسب إذاعة الدولة العربية التي تتميز بقربها وتعاطفها مع الشعب الفلسطيني .

هل نكتب عن تهيئة البيت لقدوم شهر رمضان، أول درجات الاستقبال تنظيف البيت كأن رمضان سيأتي حاملاً دفتر العلامات المدرسية،  سيدخل ويسجل نظافة وبريق كل زاوية ويهتم بمدى تنظيف كل ربة بيت لبيتها، عدا عن شراء “المونة”، حيث تصبح البيوت عبارة عن مخازن صغيرة للمأكولات.

أما الدكاكين والأسواق فحدّث ولا حرج، لأن صور الازدحام، خاصة أمام محلات الجزارين، حيث تكون الطوابير الطويلة، وأثناء الانتظار تسمع ثغاء الغنم وأصوات الخراف وخوار الأبقار .

هل نكتب عن تزين البيوت بعبارات الترحيب وبساطة الأضواء والأوراق الملونة التي يقوم الأطفال بصنعها دون بذخ أو تقليد أعمى بين الجيران .

هل نكتب عن انتظار ساعة الآذان، حين كانت أزقة الحارات تنبض بوجوه الكبار والصغار، ويصر الصغار على البقاء قرب الجوامع ينتظرون صوت المؤذن، وما أن يرفع الآذان حتى يركض الصغار، مرددين: إفطروا.. إفطروا ..!! وتكون الصرخات الطفولية قوافل من الفرح حاملة رسائل تحولت مع الزمن إلى أصوات غابت، هاجرت، صمتت.. لكن ما زال صداها ينام تحت جدران البيوت التي تحضن أحزانها   وغربتها .

هل نكتب عن “لمة العائلة” وأيادي الأمهات والقريبات وهن يشتغلن في المطبخ، ويصنعن من الخضروات واللحوم وجبات ما زالت روائحها تغازل جوعنا الذي حمل أغصان الاستسلام معلناً أن غياب طعام الأمهات هو سبب أمراضنا الحضارية، وأن الوجبات والأطعمة الجاهزة قد اغتالت آخر خنادق الانتماء لصهيل المطبخ العربي الذي يقف الآن على حدود التقاعد .

هل نكتب عن السهرات العائلية، أو سهرات الأصدقاء التي كانت تقفز بين الساعات معلنة أن أيامنا ليست مصافحة الفراغ، بل كانت جسوراً للتقارب أكثر وأكثر، نغرق جميعنا في هموم بعضنا البعض ولا تنتهي السهرات إلا وقلوبنا تتنهد مشاركة في السراء والضراء .

هل نكتب عن لقاء الجارات وسؤالهن عن الطبخات اليومية، وتمتد الأحاديث إلى أبواب القلوب المغلقة، والتي سرعان ما تُفتح لمشاركة المشاعر والاحاسيس والأزمات، ومحاولة المساعدة ومد يد العون .

قد تكون الصور الرمضانية صوراً عابرة، واعترافات ترمي شباكها في ماض قد ذاب كقطعة السكر.. ولكن قطعة السكر تحولت إلى أوتاد خيام بالية، زاويا محاطة بعنكبوت الوحدة، لقد قامت شبكات التواصل الاجتماعي بجرنا إلى كهوف خاصة، نجلس قبالة مرايا مشوهة، تعكس لنا العالم الخارجي المليء بالألوان  والوجوه الغريبة التي اقتحمت حياتنا، لكن يبقى عالمنا الداخلي مجهولاً، لقد سرقت  وسائل التواصل الاجتماعي منا  تأمل وجوه الأحباب ودراسة ملامحهم، حتى أنها سرقت منا التفهم والقدرة على لجم الغضب والعناد..

والأصعب أن شهر رمضان تحول إلى أيام تلهث وراء هذا المسلسل وذاك البرنامج، حتى أصبحنا نتابع الشهر الفضيل من نافذة ضيقة تُسمى العزلة بعيداً عن الناس.. تعالوا نفتش في جيوب الأجداد والجدات والآباء والأمهات، سنجد في جيوبهم رائحة شهر رمضان تملأ قماش الروح وقد نسجت الخيوط حولها صوراً تغفو بهدوء.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى