رانية عقل: هدر النعم!

* أخطر ما يحدث للمائدة أن تتحول من مكان شكر إلى مكان هدر!
المائدة في رمضان ليست مجرد سطح توضع عليه الأطباق. إنها مساحة تجمع العائلة، لحظة دعاء، فسحة شكر على النعمة بعد يوم طويل من الصيام. حولها تتقاطع الأيدي قبل أن تمتد إلى الطعام، وتسبق كلمة الحمد أول لقمة. لهذا كانت المائدة في الوعي الجمعي مكانا للسكينة لا للاستعراض، وللبركة لا للتكديس.
غير أن هذه المساحة الروحية تتحول أحيانا، من دون قصد، إلى ساحة سباق صامت في عدد الأصناف. تتعدد الأطباق، تتكدس الحلويات، ويغدو التنوع معيارا غير معلن للكرم. وفي نهاية الليلة، ينسحب جزء غير قليل من هذا الطعام إلى سلة المهملات، كأن شيئا لم يكن.
السؤال لا يتعلق فقط بما يلقى، بل بما يحدث داخل الجسد نفسه. معدة بقيت فارغة ساعات طويلة، هل تحتاج فعلا إلى كل هذا؟ علميا، يحتاج الجسد بعد الصيام إلى تعويض متدرج، لا إلى صدمة غذائية مفاجئة. الإفراط في الأكل يرهق الجهاز الهضمي، يرفع مستويات السكر بسرعة، ويزيد الشعور بالخمول. الاعتدال ليس قيمة روحية فحسب، بل ضرورة صحية أيضا.
لكن المسألة لا تقف عند حدود الجسد.
القرآن حسم موقفه بوضوح:
وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (سورة الأعراف، الآية 31).
النهي عن الإسراف لا يتعلق بكمية الطعام وحدها، وإنما بضبط الرغبة نفسها. الصيام مدرسة إرادة، فكيف تتحول إرادة النهار إلى انفلات في المساء؟ وكيف يكون الإمساك تمرينا على الوعي، ثم يصبح الإفطار مساحة لفقدانه؟
ولا تقف القضية عند الفرد وحده. فالبعد البيئي يكشف وجها آخر للهدر. تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن نحو ثلث الغذاء المنتج عالميا يهدر سنويا. كل طبق يلقى في القمامة يحمل في داخله مياها استنزفت في الزراعة، وطاقة استخدمت في النقل والتبريد، وانبعاثات كربونية تراكمت في الغلاف الجوي. حين نرمي الطعام، لا نرمي فائضا فحسب، بل نضيف عبئا إلى كوكب مثقل أصلا.
ولا يمكن قراءة هدر النعم بمعزل عن السياق الاجتماعي الذي يصنعه. رمضان في زمننا لم يعد شهرا روحيا فقط، بل أصبح موسما استهلاكيا كاملا. الإعلانات تتكاثر، العروض تلاحق الناس، وصور الموائد الفاخرة تتحول إلى معيار غير معلن للنجاح الاجتماعي. يصبح ضبط الرغبة أكثر صعوبة حين تحاصرها الرسائل من كل اتجاه.
ثم هناك العمل غير المرئي خلف هذه المائدة. ساعات طويلة في المطبخ، غالبا تقوم بها النساء، ينتقلن من عمل مدفوع إلى عمل آخر غير مدفوع. تحضير الإفطار، ترتيب الطاولة، استقبال الضيوف، تنظيف ما بعد الزيارة، الاستعداد للسحور، ثم يوم جديد يبدأ باكرا. الكثرة هنا لا تعني فائضا من الطعام فقط، بل فائضا من الجهد المستنزف. فهدر النعمة لا يقتصر على ما يلقى في القمامة، بل يمتد أحيانا إلى استنزاف الجسد والوقت.
وفي هذا الإيقاع المزدحم، تضيق المسافة بين الشكر الحقيقي والاستعراض الاجتماعي. تتحول المائدة إلى واجهة تمثيل لا إلى مساحة سكينة. يصبح تقليل الأصناف قرارا يحتاج إلى شجاعة، لأن المجتمع اعتاد أن يقيس الكرم بعدد الأطباق لا بمعنى البركة.
هنا يتضح أن المسألة أكبر من اختيار فردي؛ إنها ثقافة كاملة تحتاج إلى مراجعة. حين يصبح الاعتدال مبررا، فهذا يعني أن الوفرة تحولت إلى معيار أخلاقي غير معلن.
المائدة التي تبدأ بالحمد، هل يجوز أن تنتهي بالهدر؟
والمعدة التي تعلمت الصبر طوال النهار، هل من العدل أن نثقلها بما يفوق حاجتها؟
قبل أن نضيف طبقا جديدا هذا المساء، ربما يجدر بنا أن نتوقف لحظة صادقة، لا مع أنفسنا فقط، بل مع ثقافتنا أيضا.
إذا كان الصيام قد دربنا على ضبط الرغبة، فهل نملك الشجاعة لضبطها جماعيا؟
وهل ما نعده يعكس معنى الشكر، أم ضغطا اجتماعيا نخشى كسره؟
رانية عقل
فنانة تشكيلية وناشطة بيئية
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



