ناضل حسنين: ليس دفاعًا عن لوسي… بل إدانة للعنصرية

لن أدافع هنا عن لوسي أهريش. لقد قلت ذلك منذ البداية وأكرره بلا مواربة. عملت معها ما يقرب من عامين كاملين في قناة i24News، وأعرف جيدًا أين أختلف معها، وأعرف حجم التحفظ الذي أحمله على مسيرتها وخياراتها وخطابها.. هذه ليست قضية تضامن شخصي، ولا محاولة تلميع لصورة صحافية اختارت طريقًا لم أقتنع به يومًا.
لكن الهجمة التي تتعرض لها الآن تفضح عطبًا أعمق بكثير من خلاف مهني. فهي هجمة تنهال عليها ولا تستهدف موقفًا صحافيًا فقط، هي تكشف رد فعل عنصريًا جاهزًا يعمل في هذا البلد كزر طوارئ: يكفي أن يتكلم العربي خارج النص المطلوب، حتى يسارع البعض إلى تجريده من كل شيء وإعادته فورًا إلى خانته الأولى.
لوسي أمضت سنوات طويلة وهي تحاول، عن قناعة أو اجتهاد، أن تقدم نفسها أولًا كإسرائيلية. شددت خطابها، عدلت نبرتها، وقدمت حياتها الشخصية، فلم يشفع لها حتى زواجها من ضابط رفيع في الجيش، كجسر عبور نحو قبول أوسع في الشارع اليهودي. كثيرون صفقوا لها يوم التزمت السقف غير المعلن. كثيرون احتفوا بها يوم بدت “مريحة” في خطابها.

لكن ما إن قالت جملة واحدة تنتقد التقاعس في مواجهة الجريمة داخل المجتمع العربي، وهي قضية مدنية بامتياز، موجهة النقد المباشر لحكومة نتنياهو، حتى انقلب المشهد بسرعة كاشفة.
لم يناقشها هؤلاء على مضمون كلامها. لم يفندوا طرحها مهنيًا. لم يختلفوا معها كصحافية. بل هاجموها لأنها عربية. بهذه البساطة الفجة. سحبوا منها، في لحظة واحدة، كل ما حاولت بناءه طوال سنوات. لم يعودوا يرون فيها “صحافية إسرائيلية”، بل أعادوها فورًا إلى خانة “العربية التي كشرت عن حقيقتها”. هكذا قالوا صراحة أو تلميحًا، وهكذا تصرفوا بلا حرج. هذه ليست صدفة. هذه بنية تفكير.
المشكلة التي تنكشف هنا قاسية: بعضهم يقبل العربي ما دام يلتزم الدور المرسوم له، لكنهم يسارعون إلى طرده معنويًا لحظة يخرج عن النص. يمنحونه بطاقة قبول مؤقتة، ثم يمزقونها فور أول خلاف.
أنا لا أتبنى طريق لوسي، ولا أتبنى خطابها، ولا أطلب من أحد أن يفعل ذلك. لكنني أرى بوضوح أن ما تتعرض له اليوم لا يفسره خلاف سياسي عادي. لأن الذي يحدث يحمل بصمة عنصرية واضحة: هجوم على الهوية قبل الموقف، وعلى الأصل قبل الحجة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالرسالة التي يرسلها هذا السلوك لا تخص لوسي وحدها. الرسالة تقول لكل صحافي عربي في هذه البلاد: يمكنك أن تتكلم، نعم.. لكن ضمن الحدود التي نرسمها لك. تجاوزها، وسنذكرك فورًا من أنت.
هذا ليس نقاشًا مهنيًا صحيًا. هذا إنذار مقلق. وعندما يهاجم الناس هوية الصحافي بدل أن يواجهوا كلماته، فإن المشكلة لا تسكن في غرفة الأخبار… بل في عقلية ترفض أصلًا أن تسمع الصوت العربي إلا بشروطها.

** صور شاشة عن القناة 13
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



