د. محمود أبو فنّة: التّربية المنشودة في عصرنا

قيل: الأمّ هي مدرسة الطّفل الأولى، فهي – مع الأب – تسهم في بناء شخصيّته، وفي بلورة ميوله ومواقفه، وفي غرس حبّ الاستطلاع والثّقة بالنّفس!
وتأتي المدرسة بمعلّميها وبرامجها وأجوائها لتواصل عمليّة التّربية والتّعليم المباركة!
وتوقّعات الأهل والمجتمع من المدارس كثيرة ومتشعّبة:
إنّنا نناشد مدارسنا العمل على تنمية شخصيّة الطّالب المتكاملة بجميع أبعادها وجوانبها العقليّة والعاطفيّة والبدنيّة والنّفسيّة والرّوحيّة والجماليّة.
نتوقّع من مدارسنا الاهتمام ببناء أجسام طلّابنا، وغرس محبّة الفنون وتذوّقها في نفوسهم: من موسيقى وغناء ورسم وتمثيل … في حصص ثابتة، وعلى أيدي معلّمين مختصّين بذلك!
لا يكفي التأكيد على تنمية المهارات العقليّة والإلمام بالمعلومات والمعارف في فروع المعرفة المختلفة، فالعلامات العالية والتّحصيل المعرفيّ الجيّد ليست كافية!
ينبغي التّأكيد على إكساب المتعلّمين مهارات التّعلّم الذّاتيّ، وتزويدهم بالأدوات والمعارف والمهارات اللّازمة لمواصلة التّعلّم الذّاتيّ المستقلّ مدى الحياة من المهد إلى اللّحد. وبهذا السّياق يجب إكساب طلّابنا المهارات والمعرفة في استخدام جهاز الحاسوب والإبحار في الشّبكة العنكبوتيّة (الإنترنت) مع القدرة على التّمحيص والغربلة وعدم اللّجوء الآليّ لعمليّة: “انسخ وألصق”!
وهناك حاجة للتّحرّر من أساليب التّلقين والإيداع، والعمل على تنمية مهارات التّفكير العليا:
التّفكير النّاقد، والتّفكير الإبداعيّ الابتكاريّ!
إنّنا نطمح كذلك، أنْ تقومَ مدارسنا بتعزيز هويّة الطّلّاب وانتمائهم لمجتمعهم وشعبهم ولأمّتهم وثقافتهم مع الانفتاح على الثّقافات الإنسانيّة الأخرى.
ونتوقّع أنْ تعمل مدارسنا على ترسيخ المواقف والاتّجاهات الإيجابيّة لدى المتعلّمين المتمثّلة في:
تحمّل المسئوليّة، والتّعاون مع الآخرين، والتزام الحوار البنّاء، واحترام آراء الغير حتّى وإنْ اختلفت عن آرائنا تمشّيًا مع مقولة: “اختلافُ الرّأيِ لا يفسدُ للودّ قضيّة!”.
وأنْ تعملَ أيضًا على ترسيخ قيم الحقّ والعدل والمساواة لدى أحبّائنا الطّلّاب!
ونناشد مدارسنا الاعتناء بتنمية ما يعرف بالذّكاء العاطفيّ – بدون إهمال الذّكاء الأكاديميّ العقليّ – المتمثّل باكتساب المهارات الحياتيّة العاطفيّة المطلوبة مثل: الوعي بالذّات والتّحكّم بالانفعالات والنّزعات، القدرة على التّواصل مع الآخرين والتّعامل معهم بمرونة وتسامح وتعاطف، المثابرة وتوفّر الدّافعيّة… (انظر: كتاب “الذّكاء العاطفيّ” دانييل جولمان، الكويت، 2000)
وأخيرًا: كما نناشد مدارسنا أنْ تعملَ على إعلاء مكانة اللّغة العربيّة الخالدة وتحبيبها لدى طلّابنا، وعلى إكسابهم مهاراتِها الأساسيّة: القراءة والاستماع للنّصوص المختلفة مع الفهم (بمستوياته المختلفة!)، التّعبير الكتابيّ والشّفويّ الجيّد، والإقبال على المطالعة الذّاتيّة وتذوّق الأدب!
إنّ إتقانَ مهارات اللّغة الأساسيّة يشكّل المفتاح للتّعامل مع جميع المواضيع الدّراسيّة، ويسهم في تحقيق التّقدّم والنّجاح فيها.
**
** غرس محبّة القراءة!
غرس بذور محبّة القراءة والمطالعة تبدأ منذ الصغر وفي الطفولة المبكّرة قبل الالتحاق بالمدرسة.
وهنا يأتي دور الوالدين وأفراد الأسرة في تأسيس مكتة بيتيّة للأبناء وفي تحبيب القراءة بتقديم القدوة، وبالإكثار من القراءة للطفل الصغير، مع الحرص على اختيار الكتب الملائمة لهذه السنّ الغضّة.
وقد قيل: “اقرأ لطفلك لتعوّده القراءة منذ الصغر، فمن لم يُقرأ له في الصغر، فلن يَقرأ لنفسه في الكبر”.
وتسهم الروضات في تذويت عادة المطالعة إذا حرصت على توفير
“مكتبة” متواضعة تحتوي على قصص وأناشيد وأغانٍ ملائمة للأطفال في هذه السن الغضّة.
والمتوقّع أن تقوم المربيّات في الروضات برواية أو قراءة النصوص النثريّة والشعريّة للأطفال بطريقة مشوّقة، مع فعاليات إبداعيّة تشرك الصغار في الرسم والغناء، والنقاش مع إبداء الآراء والانطباعات حول ما يُقرأ أو يُروى .
**
** مجتمعنا يعاني ويواجه أزمة قيم
نعم، مجتمعنا يعاني ويواجه أزمة قيم، فنحن نفتقد إلى حدّ كبير قيم التسامح والديموقراطيّة والتعاون والتكافل واحترام المختلف.
وفي اعتقادي، مسؤوليّة إكساب تلك القيم وتذويتها تقع على الأهل والمؤسسات التعليميّة التربويٌة ورجال الدين والسياسة والإعلام. يجب تضافر جهود جميع الأطراف والوكلاء المشاركين في عملية التنشئة للوصول إلى المواطن الواعي الفعّال، صاحب الضمير الحيّ المنتمي لبلده ومجتمعه وشعبه وللإنسانيٌة السمحة!
**
* العيب فينا لا في الزمان!
العيبُ ليس في الزمان الذي نحيا فيه، بل العيبُ فينا نحن البشر على الأغلب!
حقّقنا قفزة علميّة تكنولوجيّة صناعيّة، ولكن تراجعنا في مجال القيم والأخلاق والروحانيّات، وصرنا نسعى لإشباع حاجاتنا المادّيّة، ونتباهى بالمظاهر البرّاقة.
وحول ذلك يقولُ الإمامُ الشافعيّ:
نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا – وما لزماننا عيبٌ سوانا
ونهجو ذا الزمانَ بغيرِ ذنبٍ – ولو نطقَ الزمانُ لنا هجانا
وليسَ الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ – ويأكلُ بعضُنا بعضًا عيانا
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



