رانية عقل: رمضان مشروع نهضة يتكرر كل عام

في كل مرة نبحث فيها عن سبب أزماتنا، نتساءل أين الخلل؟ في البيت، أم في المدرسة، أم في البلدية، أم في الحيز العام؟ نوزع المسؤولية، ويظل السؤال معلقًا. لكن ماذا لو كانت لدينا، كل عام، فرصة جماعية لإعادة ضبط هذا الخلل؟ فرصة يتغير فيها إيقاع المجتمع كله في الوقت ذاته، ويجرب الناس الانضباط المشترك، لا كأفراد متفرقين، بل كمجتمع كامل. لحظة سنوية تعيد ترتيب العلاقة بين الفرد وضميره، وبين المجتمع ومسؤوليته. هذا الزمن اسمه رمضان.

رمضان ليس شهر صلاة وصيام وزكاة فحسب، رغم عظمة هذه العبادات، وإنما زمن تهذيب للنفس وبناء للضمير. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. الغاية ليست الجوع، وإنما التقوى، والتقوى ليست شعورًا عابرًا، وإنما سلوك ينعكس على علاقة الإنسان بنفسه، وبالناس، وبالمكان. وحين تتحول التقوى إلى ممارسة يومية، فإن أول تجلياتها في المجتمع تكون في معنى الصدقة.

وفي الحديث الشريف: كل معروف صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وما من مسلم يغرس غرسًا فيأكل منه إنسان أو طير أو دابة إلا كان له به صدقة. الصدقة في هذا الفهم ليست مالًا فقط، وإنما فعل إصلاح. وهنا تتجسد التقوى في أثر جماعي يمكن قياسه ورؤيته.

ماذا لو فهمنا رمضان باعتباره فرصة لتنظيم هذا الإصلاح جماعيًا؟ لنتخيل مدينة يسكنها اثنان وعشرون ألف نسمة. لو قررت كل عائلة أن تزرع شجرة واحدة في رمضان، أو أن تتبنى شجرة وتسقيها، فنحن لا نتحدث عن منظر جمالي عابر، وإنما عن هواء أنقى، وظل أوسع، وامتصاص لثاني أكسيد الكربون، وتخفيف لحرارة الشوارع صيفًا. بعد سنوات قليلة يمكن أن تتحول البلدة إلى مساحة خضراء حقيقية تعزز الصحة العامة، وتبني شعورًا بالفخر المحلي والانتماء. التقوى هنا تتحول إلى تخطيط، والصدقة تتحول إلى استثمار طويل الأمد في الإنسان والمكان.

الأمر لا يقتصر على البيئة. إذا قررت كل عائلة أن تخصص جزءًا من هذا الشهر لزيارة مسن وحيد، أو لسقي الطيور، أو لتنظيف مساحة عامة، أو لمرافقة طفل أصغر سنًا، فإننا نعيد تعريف الصدقة بوصفها بناءً للإنسان والمكان معًا. الإصلاح لا يبدأ بقرارات كبرى فقط، وإنما بأفعال صغيرة تتكرر حتى تصنع ثقافة.

وهنا يأتي دور المدرسة، بوصفها شريكًا في هذا المسار، لا مركزه الوحيد. بدل أن يتحول رمضان إلى شهر غياب أو ضغط امتحانات لضبط الغياب، يمكن أن يصبح شهر مشاريع ومبادرات وقيادة طلابية، بشراكة بين المدرسة والمجتمع المحلي. في واقع تقل فيه ساعات الدوام أحيانًا، ويخرج فيه الطلاب مبكرًا إلى بيوت يعمل فيها الأهل حتى المساء، نحن بحاجة إلى إطار يحفظ أبناءنا داخل معنى، لا في فراغ. إذا علم الطالب أن كل يوم في رمضان يحمل قيمة عملية، زرع شجرة، حملة نظافة، زيارة، نشاط تضامني، تعليم زميل، تنظيم مبادرة، فإن الغياب لا يعود خيارًا سهلًا، لأنه يفوته دور.

رمضان تاريخيًا لم يكن شهر ركود، وإنما شهر حركة منظمة وضبط للنفس. الصيام ليس انسحابًا من الحياة، وإنما تدريب على إدارتها. وإذا كان الامتناع عن الطعام تدريبًا على كبح الرغبة، فإن تحويل هذه الطاقة إلى عمل نافع هو اكتمال المعنى.

لسنا بحاجة إلى أن نكون مقتدرين ماديًا لنمارس الصدقة. الكلمة الطيبة صدقة، والاحتواء صدقة، والاهتمام صدقة، وزرع شجرة صدقة جارية، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة. الصدقات لا تنحصر في طرد غذائي أو مبلغ في ظرف، وإنما في كل فعل يرمم إنسانًا أو يصلح مكانًا.

الجيل الذي نريد بناءه لا يتشكل في ثلاثين يومًا، لكن ثلاثين يومًا تتكرر كل عام قادرة على أن تدرب النفس على نمط جديد من التفكير والسلوك. وإذا تربى الطفل على أن رمضان زمن إصلاح شامل، زمن مسؤولية، وحضور، وانتماء، فإن أثر ذلك يتجاوز حدود الشهر.

لسنا أمام موسم عابر، نحن أمام طاقة جماعية نادرة تتكرر كل عام. السؤال ليس هل نملك القدرة، وإنما هل نملك الإرادة لاستثمارها. رمضان يمكن أن يكون أكثر من موسم عبادة، يمكن أن يكون مشروع نهضة صغيرة تتكرر، حتى يصبح الإصلاح عادة، ويصبح حضورنا في مجتمعنا فعلًا واعيًا، لا رد فعل عابرًا.

** رانية عقل: فنانة تشكيلية وناشطة بيئية

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى