وفاء زعبي: ملف ابستين وهندسة الابتزاز  للقرار الأمريكي لشن الحرب على ايران

من الواضح ان قراءة المشهد السياسي الراهن تفرض علينا، وبإلحاح،تجاوز تلك الروايات السطحية التي تروج لها الصحافة التقليدية؛فإعادة نبش ملف جيفري إبستين في هذه اللحظة الحرجة تحديدا لايمكن لذوي البصيرة، تصنيفه كفعل قضائي بريء، أو مجرد صحوةضمير دبت فجأة في عروق العدالة. إننا، في تقديري، أمام عملية”استدعاء استراتيجي” لملفات الاستخبارات الأكثر إظلاما. حيثيُسحب “صندوق باندورا” من أقبية الأجهزة الأمنية الموصدة ليُزج بهفي قلب الجدل العام كأداة ضغط سياسي رفيعة المستوى. هذاالتوقيت، في جوهره ومنتهاه، ليس إلا ترسا في ماكينة هندسة ابتزازمعقدة، غايتها إعادة معايرة الولاءات في واشنطن، وتوجيه بوصلةالنخبة نحو مسارات تخدم أجندات إقليمية كبرى، خاصة مع اشتدادحدة التصعيد الاستراتيجي تجاه إيران.

لماذا الآن؟

يثور تساؤل جوهري حول تلك الدوافع الكامنة التي أخرجت هذهالقبور من مرقدها في توقيت مفصلي كهذا – فالقراءة المتأنية لمسارالأحداث تشير إلى رغبة محمومة في خلق حالة من “الارتهانالسياسي” لدى مراكز صنع القرار الأمريكي. إن تسريب أسماء ثقيلةالعيار، وفي مقدمتها دونالد ترامب، ونشر الغبار حول تلك الروابطالقديمة مع إبستين، ليس مجرد مناورة انتخابية عابرة، بل هو، كماأراه، رسالة تحذيرية مشفرة من قوى تمتلك مفاتيح هذه الملفاتالسوداء. الغرض؟ تقييد حركة الإدارة القادمة وضمان انخراطهاالكامل في خيارات عسكرية لا تخدم سوى إسرائيل، ودفع واشنطننحو مواجهة انتحارية مع طهران “كثمن” لإبقاء فضائح ترامبالشخصية طي الكتمان، وتشتيت الانتباه العالمي عما يجري من إعادةصياغة دموية لخريطة الشرق الأوسط.

اليد الخفية خلف ستار مؤامرة الابتزاز

ولا يمكننا، بأي حال، تجاهل الأدلة الظرفية المتراكمة التي تؤكد أنإبستين وشريكته غلين ماكسويل كانا يديران منظومة “مصيدة العسل”كأصول استخباراتية مرتبطة بالموساد الإسرائيلي. “جزيرة المتعة” لمتكن يوما مجرد وكر للانحلال، بل كانت مختبرا متطورا لإنتاج “العبيدالسياسيين” عبر الابتزاز. فإن توثيق سقطات القادة، يمثل الضمانةالسيادية للتبعية المطلقة، فمن تورط في تلك الجرائم البشعةوالانتهاكات التي وصلت حد الطقوس المظلمة، فقد حقق لمبتزيه أقصىدرجات السيطرة، ليتحول من “رجل دولة” إلى مجرد “رهينة” سياسيةلمن يمتلك أرشيف ابستين.

وفي أفق هذا التحليل، كيف نفسر أن هذه الوثائق لم تر النور إلابفضل مثابرة صحفيات مثل جوليا موريسون، بينما صمتت عنهاأجهزة الرقابة التي تدعي النزاهة لسنوات؟ هل نشهد فعلا انتصارااخلاقيا، أم أننا نتابع فصلا دمويا من تصفية الحسابات بين أجنحةالنفوذ؟

القرابين السياسية.. هل يقايض ترامب الملف بإيران؟

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا وخطورة: هل نعيشاليوم فصلا من فصول “المقايضة الكبرى”؟ إن وضع دونالد ترامبتحت مقصلة التشهير مجددا عبر ملف إبستين، بعد سنوات منالاغلاق الظاهري، ليس مجرد عقاب على الماضي، بل هو ترويضللمستقبل. أرى أن هذا الإذلال العلني الممنهج يهدف إلى تجريده منأي هامش للمناورة. فهل سيجد نفسه مضطرا، تحت وطأة الابتزازبأرشيف الجزيرة الآثمة؟ لاتخاذ القرار الانتحاري الذي طالما انتظرتهإسرائيل، وهو توجيه ضربة عسكرية قاصمة لإيران؟

إن ملف إبستين اليوم هو الخنجر المسلط على رقاب صناع القرار. فإننا لا نشاهد محاكمة لمجرم رحل، بل نراقب عملية إعادة ترتيبلموازين القوى العالمية التي تستخدم فيها الفضيحة كوقود لإشعالحروب إقليمية، لضمان بقاء النخبة العالمية تحت سطوة المبتزين، ولوكان الثمن إحراق الشرق الأوسط بأكمله.

فصل جديد من المواجهة المشتركة

دوت صافرات الإنذار في صبيحة هذا السبت، 28 شباط، معلنة دخول المنطقة في مواجهة عسكرية خطيرة. ومع انطلاق عملية ‘الأسد الزائر’ المشتركة بين تل أبيب وواشنطن واستهداف قلب طهران بضربات وقائية، برزت تساؤلات حادة حول خلفيات القرار الأمريكي. فبينما يرى البعض في مشاركة إدارة ترامب المباشرة رغبة في حسم التهديد الإيراني نهائيا، يذهب محللون اخرون إلى البحث في الدوافع الخفية والضغوط السياسية التي قد تكون وراء هذا الانخراط العسكري الواسع، متسائلين عن مدى استقلالية القرار الأمريكي في ظل الأزمات وملفات ابستين الشائكة التي تلاحق البيت الأبيض. فيبقى السؤال هل تحرك العقيدة العسكرية الأمريكية أهدافا استراتيجية بحتة، أم أن “هندسة الابتزاز” هي من وضعت الإصبع على الزناد؟.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى