المرافعة الشرعية عرين طوقان سلمان: حول تكرار خطاب “تكريم المرأة” ومكانتها في الاسلام

لماذا خطاب “تكريم المرأة” يتكرر في فضائنا المعاصر، هل الخلل في التشريع الإسلامي، أم في القراءة التاريخية التي أحيط بها، أم في طريقة تنزيله على واقع تغيّر ولم تتغيّر معه أدوات الفهم؟
إنّ الإسلام لم يأت ليحسن وضع المرأة فحسب، بل ليعيد بناء ميزان النظرة إليها، فانتشلها من موقع التبعية والامتهان إلى مقام الشراكة في الإنسانية والتكليف والمسؤولية. إلّا أنّ الأزمة لا تكمن في لحظة قراءة النصّ، بل في لحظة التطبيق، ولا في قطعية المبدأ، بل في آليات التنزيل.
ولفهم أبعاد الإشكال لا بد من العودة إلى السياق التاريخي من خلال استقراء تطور مكانة وأوضاع المرأة قبل الإسلام، يتبين أن أوضاعها في الحضارات القديمة لم تكن على نسق واحد، إلا أنّ الصفة الغالبة في عدد كبير منها تمثلت في تقييد أهليتها القانونية وإخضاعها لسلطة الرجل داخل البنية الأسرية. ففي الحضارة اليونانية خاصة في أثينا على سبيل المثال، حصرت المرأة في نطاق البيت، ولم تتمتع بحقوق سياسية أو استقلال مالي كامل، وفي إسبارطة منحت بعض الحقوق في الملكية، لكن دون أن تتمتع بمساواة حقيقية[1]. وفي القانون الروماني، خضعت المرأة لسلطة ربّ الأسرة، وبقيت أهليتها مقيدة، رغم تحسّن وضعها تدريجيًا في المراحل المتأخرة من تطور القانون، لكن التطور بقي محدودًا، وفي بعض الشرائع القديمة، كانت المرأة خاضعة لولاية دائمة للأب أو الزوج أو الابن، مع محدودية في الميراث والتصرف المالي[2]. أما في بعض التطبيقات الدينية التاريخية، فقد بقيت المرأة قانونيًا تحت سلطة الرجل، وإن ارتفعت مكانتها الروحية في بعض النصوص[3]. ثم جاء الإسلام فقرّر مبادئ حاسمة بشأنها ككمال الأهلية، واستقلال ذمتها المالية، وثبوت حق مقدّر لها في الميراث، وحقها في التملّك والبيع والشراء وحقها في التقاضي، فلا وصاية عليها إلا عند فقدان الأهلية[4]. وتقرّر بحقها مبدأ التكليف والمساءلة بمساواة مع الرجل، مع وجود بعض الفوارق التشريعية المبنية على اعتبارات وظيفية، لا على نقص في الكرامة أو الإنسانية[5].
لقد شهدت المرأة في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية مكانة محترمة، وكانت كاملة الأهلية في ذمتها المالية وتصرفاتها، وبرزت نماذج نسائية فاعلة في ميادين العلم والتربية والعمل العام، وأسهمت في صناعة الأجيال وبناء المجتمع. أما في عصور الضعف، فقد تراجعت الممارسة الاجتماعية للمرأة، وأهملت بعض حقوقها أو ضيّقت في الواقع، لا بسبب قصور في النصوص، بل نتيجة عوامل اجتماعية وثقافية.
فبقيت حقوقها مقررة في كتب الفقه، وإن لم تفعّل دائمًا بالصورة التي تليق بمقاصد الشريعة، بينما ظل دورها الأسري حاضرًا ومعتبرًا في المجتمع.
وقد عبر الغنوشي عن فترات التراجع بمصطلح “الانحطاط” وهو ليس مجرد تراجع حضاري بل مرتبط بتردّي القيم الأساسية في المجتمع.  وله آثار على المجتمع عامة وعلى المرأة خاصة مما يجعل المرأة تنظر إلى نفسها ككائن ضعيف متقبّل للإهانة والظلم بدل أن تكون فاعلة ومسؤولة في مجتمعها[6].
ولقد كرّم القرآن الكريم المرأة وأنصفها واعتبرها إنسانًا كامل الأهلية، في مختلف حالاتها الاجتماعية، وعضوًا فاعلًا في المجتمع. غير أنّ غياب الوعي الديني الصحيح في بعض المراحل التاريخية أدى إلى ممارسات ظلمت المرأة، فحرمت أحيانًا من بعض حقوقها في التعلم والعمل والعبادة، بل وأكرهت في بعض البيئات على ما لا ترضاه، وهي ممارسات لا تعبر عن جوهر التشريع الإسلامي، وإنما عن انحراف في الفهم أو التطبيق. وقد أكد الإسلام إنسانية المرأة وأهليتها الكاملة في التكليف والمسؤولية والجزاء، فجعلها شريكة للرجل في أصل الخلق ووحدة المنشأ[7]، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا…﴾ [النساء: 1].
فالمرأة شقيقة الرجل في الإنسانية، وقد قال رسول الله ﷺ: “إنما النساء شقائق الرجال”، وهو نصّ يؤكد وحدة الأصل وتكامل الدور[8]، وكما قرر القرآن المساواة بين الرجل والمرأة في أصل التكليف والعبادة والجزاء، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ … أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195].
فالأعمال عند الله لا يضيع منها شيء، سواء صدرت عن ذكر أو أنثى، فالجميع من أصل واحد وطبيعة واحدة في الإنسانية والتكليف. وفي التكاليف الدينية والاجتماعية العامة، سوّى القرآن بين الجنسين[9]، فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 71].
وهكذا يتبين أنّ الخطاب القرآني قرر مبدأ الشراكة في الإيمان والمسؤولية المجتمعية، وجعل معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، لا الذكورة أو الأنوثة[10].
ومع ذلك، فإنّ البحث في علل الأحكام وحكمها لا يعني افتراض إحاطتنا التامة بجميع مقاصدها، فالشريعة، وإن قامت على العدل والمصلحة، تظل مرتبطة بعلم إلهي محيط، قد تظهر بعض حكمه للعقول، وتخفى أخرى لحكمة أعمق. وليس من شرط الإيمان بالحكمة أن ندرك تفاصيلها جميعًا، بحيث قد يكون من تمام الحكمة أن تبقى بعض وجوهها وراء حدود الإدراك البشري[11].
وأما د. محمد عمارة قدّم في عدد من مؤلفاته نموذجًا إسلاميًّا وسطيًّا في قضايا المرأة، واحتلت هذه القضية حيّزًا واسعًا من مشروعه الفكري. وقد سعى إلى إبراز خصوصية التصور الإسلامي للمرأة، من خلال الجمع بين التأصيل والتحليل التاريخي والمقارنة الحضارية.
ورأى أنّ جزءًا من التراث الإسلامي تأثر عبر التاريخ بالعادات والتقاليد حتى تحولت بعض الأعراف إلى عناصر حاكمة على فهم الدين، وألبست لباسه، مما استوجب في نظره المراجعة والتنقية، والرجوع إلى صريح النصوص ومقاصدها.
وفي كتبه في قضايا المرأة عرض صورة المرأة في صدر الإسلام كما جسدها القرآن الكريم وأكدتها الممارسة النبوية والتجربة الراشدية، مع إبراز تطبيقات عملية لدورها في عهد الخلافة الراشدة، وخاصة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. كما رسّخ مفهوم “النساء شقائق الرجال”، مبيّنًا كيف جعل الإسلام المرأة شريكة في بناء المجتمع كونها تمثل نصفه عددًا ودورًا[12]. وقدّم في كتابه “التحرير الإسلامي للمرأة والردّ على شبهات الغلاة” النموذج الإسلامي الوسطي في معالجة قضايا المرأة، مستندًا إلى النصوص الشرعية الصريحة التي تؤكد تحرير المرأة وإنصافها، ومساواتها بالرجل في تحمّل أمانة الاستخلاف وإعمار الأرض. وأكد أنّ العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تكامل لا تنافر، تقوم على توزيع الأدوار في إطار من العدل، مع التشديد على صون فطرة التمايز بين الذكورة والأنوثة، لكونها جزءًا من سنن الخلق لا مبررًا للتمييز أو الانتقاص[13].
كما استعرض حال المرأة عبر مدّ التاريخ، متتبعًا أوضاعها في الحضارات القديمة والوسطى، وفي الديانات السابقة، وفي زمن الجاهلية، تمهيدًا لبيان التحوّل الذي أحدثه الإسلام في موقعها ومكانتها. ووضع المرأة ضمن إطار تاريخي تحليلي يبرز تطور مكانتها وصولًا إلى الرسالة الخاتمة، التي اعتبرها نقطة تحول في إعادة الاعتبار للمرأة على مستوى الإنسانية والتكليف والمشاركة المجتمعية.
كما أشار إلى أنّ تطبيقات الإسلام شهدت تباينًا بين عصور الازدهار وعصور التراجع، وأنّ الحاجة المعاصرة لإبراز مكانة المرأة لم تنشأ من فراغ، بل نتيجة قراءات بشرية تأثرت بالأعراف والظروف الاجتماعية.
وقد تناول د. عمارة القضية عبر محورين أساسيين:
الأول: تسليط الضوء على مكانة المرأة في التصور الإسلامي تأصيلاً وتاريخًا.
الثاني: الردّ على الشبهات المثارة حول الإسلام من خلال قضايا المرأة.
وأكد أنّ نهضة المجتمع لا يمكن أن تتحقق بجنس واحد، بل بتكامل أدوار الرجل والمرأة، وأن العلاقة بينهما علاقة تكامل وظيفي لا صراع هيمنة.
وقد عالج د. محمد عمارة عددًا من الشبهات المثارة حول قضايا المرأة، ومن أبرزها شبهة شهادة المرأة وشبهة الميراث، إلى جانب شبهات أخرى تتعلق بوصف النساء بنقصان العقل والدين، وحديث “ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة”، وقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.
وعن موقفه من الخطاب المعاصر فقد رأى أنّ عددًا من المفكرين المعاصرين اضطلعوا بدور إحياء الوعي بحقوق المرأة، والتصدي للشبهات المثارة، في مواجهة ما اعتبروه غزوًا فكريًا غربيًا أثر في المجتمعات الإسلامية. ولخص رؤيته في عبارته الشهيرة: “تحرير المرأة بالإسلام لا تحريرها من الإسلام”.
يثار في بعض الأحيان تساؤل مفاده إذا كان الإسلام قد قرر مساواة المرأة للرجل في الأصل الإنساني والأهلية والتكليف الشرعي، فلماذا يوجد تفاوت في بعض الأحكام، كما في الشهادة أو في أحكام الميراث أو الطلاق وغيرها؟
في الحقيقة أنّ هذا التمييز لا يعود إلى تفاضل في القيمة الإنسانية، وإنما إلى اختلاف الوظائف والأدوار التي اقتضتها طبيعة الحياة الاجتماعية، وإلى اعتبارات تتعلق بضبط الحقوق وتحقيق العدالة، فمعيار الكرامة في الإسلام هو التقوى[14]، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وجميل أن أذكر كيف بيّن د. عمارة أنّ منهج الإمام محمد عبده في معالجة قضايا المرأة كان منصبًّا على فهم روح القرآن الكريم واستيعاب مقاصده العامة، بعيدًا عن الجمود الحرفي أو الوقوف عند ظواهر النصوص دون إدراك غاياتها. وقد قام منهجه كما يعرضه عمارة على ثلاثة أسس رئيسة:
الأول: فتح باب الاجتهاد، بحيث رأى أنّ إغلاقه كان من أسباب جمود الفقه والفكر الإسلامي، في حين أنّ الاجتهاد ضرورة متجددة تقتضيها تحولات كل عصر.
الثاني: قراءة النصوص الدينية في ضوء المتغيرات المعاصرة ومصالح الأمة، مع الالتزام بالثوابت القطعية، وذلك عبر تجديد النظر في فهم النصوص وتأويلها تأويلاً منضبطًا يراعي المقاصد والسياقات.
الثالث: الانفتاح على الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة، خروجًا من ضيق الالتزام بمذهب واحد إلى سعة الشريعة وأفقها الرحب.
ويرى عمارة أنّ من أبرز ما ميّز منهج الإمام محمد عبده:
1.   توسيع دائرة الاعتماد على مقاصد الشريعة، متأثرًا بمنهج الإمام الشاطبي في الموافقات، والدعوة إلى الجمع بين الكتاب والحكمة في فهم التشريع.
2.   تفعيل القواعد الفقهية في تأصيل الحلول الجزئية للنوازل، بما يعدّ عودة إلى منهج السلف في استنباط الأحكام من أصولها الكلية.
وقد خلص إلى أنّ الإسلام في تصور الإمام محمد عبده أبعد ما يكون عن أن يكون حجر عثرة في سبيل تطور المرأة، بل هو الإطار الذي يضمن إنصافها وتمكينها في حدود القيم والمقاصد الشرعية[15].
ولكي يتضح أثر هذا المنهج في القضايا الجزئية، نتناول على سبيل المثال لا الحصر شهادة المرأة وشهادة الرجل، وميراث المرأة في مقابل ميراث الرجل.
ورد في آية الدَّين قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282]. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط الذكورة في بعض أبواب الشهادات كالحدود والقصاص، مع قبول شهادة النساء في غيرها بحسب نوع القضية. وهذا التفريق لم يكن لانتقاص من كرامة المرأة أو إنسانيتها، وإنما مراعاة لطبيعة المجالات التي كانت تمارسها النساء غالبًا في المجتمعات القديمة، حيث كان الاشتغال بالمعاملات المالية والتجارية يغلب على الرجال[16]، ومن ثم جاء النص في سياق توثيق الديون وهي معاملات مالية احتياطًا للحقوق، لا تقريرًا لقاعدة عامة في كل أنواع الشهادات. وفي المقابل، قرّر الفقهاء قبول شهادة النساء منفردات في المسائل التي يختصّ بمعرفتها النساء عادة، كالرضاع، والحيض، والولادة، ونحوها، مما يدل على أنّ معيار القبول هو الخبرة والمعرفة لا الذكورة والأنوثة[17].
كما ذهب بعض الفقهاء إلى قبول شهادة النساء في الجرائم التي تقع في أماكن يغلب وجود النساء فيها دون الرجال، تحقيقًا للعدالة ومنعًا لضياع الحقوق، متى توافرت شروط العدالة والضبط[18].
ويلاحظ كذلك أنّ القرآن في باب اللعان ساوى بين الرجل والمرأة مساواة تامة، فجعل لكلّ منهما أربع شهادات يعقبها الدعاء على النفس إن كان كاذبًا، قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ…﴾ [النور: 8-9]. وهذا يدل على أنّ التفاوت في بعض صور الشهادة ليس حكمًا مطلقًا قائمًا على الجنس، وإنما حكم مرتبط بطبيعة الواقعة ومجالها[19].
وبذلك يتبيّن أنّ الأحكام المتعلقة بالشهادة لا تستند إلى تفضيل لذات الرجل على المرأة، بل إلى اعتبارات تتعلق بحفظ الحقوق وضبط الإثبات في سياق اجتماعي معيّن، مع بقاء الأصل القرآني في وحدة الإنسانية والتكليف.
أما عن ميراث المرأة وميراث الرجل فيرتبط التفاوت في بعض صور الميراث بين الرجل والمرأة باختلاف الأعباء والتكاليف المالية المفروضة شرعًا على كل منهما، لا باختلاف القيمة الإنسانية أو الأهلية. ومع ذلك، فإنّ تفضيل الذكر على الأنثى في بعض الحالات ليس قاعدة مطّردة في جميع صور الإرث، بل توجد حالات يتساوى فيها النصيب، وأخرى ترث فيها المرأة أكثر من الرجل.
ومن حالات التساوي بين الذكر والأنثى ميراث الأبوين من أولادهما: إذا توفي شخص وترك أبًا وأمًّا مع وجود أبناء، فإنّ لكل من الأب والأم السدس[20]، وذلك لأنّ حاجة الأبوين في الغالب متقاربة.
ميراث الإخوة والأخوات لأم (الكلالة): إذا ورث الأخوة لأم من مورّث لا أصل له ولا فرع وارث، فإنّ الأخت لأم كالأخ لأم، فللواحد السدس، وللاثنين فأكثر الثلث يشتركون فيه بالسوية، دون تفريق بين الذكر والأنثى[21].
وهناك حالات ترث فيها المرأة ولا يرث بها الرجل مثالها: إذا توفيت امرأة وتركت زوجًا وأختًا شقيقة وأخًا لأب، فللزوج النصف، وللأخت النصف، ولا شيء للأخ، فتكون حصة الأخت هنا متساوية مع الزوج بينما لا شيء للأخ لأب[22]. وهذه الأمثلة وغيرها كثير تدلّ على أنّ معيار التوزيع ليس قائمًا على الذكورة والأنوثة وإنما لمعايير أخرى، وقد أوضح الدكتور عمارة أنّ قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ليس قاعدة عامة مطردة في جميع حالات الإرث، وإنما هو حكم خاص يندرج ضمن عدد محدود من الصور، في مقابل عشرات الحالات التي لا يكون فيها التفاوت قائمًا على أساس الذكورة والأنوثة، وبيّن أنّ نظام المواريث تحكمه معايير موضوعية، أبرزها درجة القرابة، وموقع الجيل الوارث في التتابع الزمني، والعبء المالي الملقى على عاتق الوارث. ومن خلال استقراء صور الميراث يتبيّن أنّ المرأة قد ترث أكثر من الرجل، أو تساويه، أو ترث ولا يرث هو، الأمر الذي يدلّ على أنّ التفاوت في بعض الصور مرتبط بالمسؤولية المالية لا بقيمة الإنسان أو أهليته[23].
ويفهم هذا التفاوت عند التحليل المقاصدي في ضوء المسؤوليات المالية التي يتحمّلها الرجل شرعًا، بحيث هو المكلّف بدفع المهر، والإنفاق على الزوجة والأولاد والوالدين عند الحاجة، وتحمل أعباء النفقة عمومًا، بخلاف المرأة التي لا تلزم بالإنفاق، وتبقى ذمتها المالية مستقلة. وعليه، فإنّ نظام المواريث يقوم على مبدأ العدل المرتبط بالمسؤولية المالية، لا على مبدأ التفضيل القائم على الجنس. فالتفاوت في بعض الصور إنما هو تفاوت مرتبط بالتكليف، لا تفاوت في الإنسانية أو الكرامة.
ومن خلال قراءة مشروع د. محمد عمارة في قضايا المرأة يتبين أنّه لا يقف عند حدود الدفاع الخطابي عن الإسلام، بل يسعى إلى إعادة بناء الوعي الفقهي بقضايا المرأة عبر إحياء منهج الاجتهاد وربطه بالمقاصد الكلية للشريعة. فقد حاول نقل النقاش من دائرة الصراع إلى دائرة تحرير الفهم الديني من القراءات التاريخية التي تماهت مع العادات وأضفيت عليها صفة القداسة.
غير أنّ القيمة الحقيقية لمشروعه تكمن في إثارته سؤال المنهج أكثر من إجابته على الجزئيات، بحيث أنّ معالجة قضايا المرأة لا تتحقق بمجرد استحضار النصوص أو استدعاء المقاصد بصورة عامة، وإنما تقتضي تأصيلاً أصوليًا دقيقًا يحدد ضوابط التأويل، ومعايير اعتبار المصلحة، وحدود تأثير تغير الزمان والمكان في تنزيل الأحكام.
ومن هنا، فإن تطوير هذا المسار الإصلاحي يقتضي الانتقال من الخطاب الدفاعي إلى البناء الاجتهادي المؤسّس على قواعد أصولية منضبطة، توازن بين قطعية النص وثباته، وبين مرونة التنزيل وتغير الواقع. فقضايا المرأة ليست ميدانًا لقبول التغيرات الخارجية، ولا مجالًا للانغلاق، بل هي ساحة اختبار حقيقية لقدرة علم أصول الفقه على تجديد نفسه في ضوء مقاصد الشريعة، مع الحفاظ على مرجعيته.
وفي ختام هذا المقال المستمد من مسيرتي التعليمية في برنامج ماجستير الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان، أقول: إنّ العدالة الإسلامية ليست في المساواة المجردة، بل في التوازن بين الكرامة، والمسؤولية، والمقاصد التي تحقق مقوّمات الحياة الكريمة لكل إنسان.
[1] السباعي، مصطفى. المرأة بين الفقه والقانون. دار السلام-القاهرة. 1431هـ-2010م. ط4. 11.
[2] السباعي، مرجع سابق. 12.
[3] السباعي، مرجع سابق. 15-16.
[4] السباعي، مرجع سابق. 22.
[5] السباعي، مرجع سابق. 23.
[6] الغنوشي، راشد. المرأة بين القرآن وواقع المسلمين. دار الشروق. 2012م. 63-64.
[7] القرضاوي، يوسف. مركز المرأة في الحياة الإسلامية. مكتبة وهبة. 4. السباعي، المرأة بين الفقه والقانون. 19.
[8] القرضاوي، مرجع سابق. 5.
[9] أبو شقة، عبد الحليم محمد. تحرير المرأة في عصر الرسالة. دار القلم-الكويت. 1431هـ-2010م. ط8. 6ج. 1/70-71.
[10] القرضاوي. مرجع سابق. 8.
[11] ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد. مقاصد الشريعة الإسلامية. (ت: 1393هـ). تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة (ت: 1433هـ). وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية-قطر. 1425هـ-2004م. 3ج. 3/158-159.
[12] عمارة، محمد، شبهات وإجابات حول مكانة المرأة في الإسلام. دار النشر-نهضة مصر. ط1. 2008م.
[13] عمارة، محمد، التحرير الإسلامي للمرأة والرد على شبهات الغلاة. ط1، 1421هـ-2002م. دار الشروق.
[14] القرضاوي، مرجع سابق. 8.
[15] عمارة، محمد. الإسلام والمرأة في رأي الامام محمد عبده الدكتور محمد عمارة. دار الرشاد. ط5. 1417هـ-1997م.
[16] القرضاوي، مرجع سابق. 9.
[17] القرضاوي، مرجع سابق. 10.
[18] القرضاوي، مرجع سابق. 10.
[19] القرضاوي، مرجع سابق. 12.
[20] القدومي، مروان. أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية. كلية الشريعة-باقة الغربية. 1417ه-1996م. 24، 64.
[21] القدومي، مرجع سابق 35-38.
[22] القدومي، مرجع سابق 53.
[23] عمارة، التحرير الإسلامي للمرأة. 67-70.
נשלח מה-iPhone שלי

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى