زياد شليوط: خمسة وخمسون عامًا على رحيل عبد الناصر حامل لواء القومية العربية

شكل عام 2018 عام الاحتفاء بالمائة الأولى لميلاد قائد عربي قلما يجود الزمان بمثله، وهو الزعيم والقائد والرئيس جمال عبد الناصر. وفي هذا العام، وبالذات في 28 أيلول مرٌ 55 عاما على رحيل هذا القائد الانسان. وشكلت المناسبتان إثباتا لا يتزعزع بأن عبد الناصر لم يغب عن ذاكرة الناس، أو الباحثين والدارسين للتاريخ العربي الحديث، أو المهتمين بالسياسة اليومية، فمثل عبد الناصر لا ينسى ولن ينسى ليس لمائة واحدة من السنين بل لمئات وآلاف مثلها. وفي كل مناسبة نستذكر فيها عبد الناصر، انما تهدف إلى مراجعة طريقه وفكره ونهجه واعادة النظر فيها ودراستها بتمحيص وامعان، بعيدا عن الغايات الصغيرة والتشويهات الحقيرة، لنخرج من وراء تلك المراجعة بوضع أسس جديدة وثوابت وطنية وقومية جامعة، تناسب العصر الذي نطمح اليه ونستعد للدخول اليه، برؤية واضحة تستند الى تراث راسخ ونهج نعتز به، وترنو الى مستقبل واعد وطريق نؤمن به.
واذا توقفنا في هذه العجالة عند أهم ما ميز نهج عبد الناصر في سياسته العامة، نجد أن القومية العربية شكلت محور ومركز اهتمام عبد الناصر خلال عهده وفي تفكيره، وقد ذكر ذلك في كتابه “فلسفة الثورة” عند حديثه عن الدائرة العربية، في زمن وصلت فيه القومية الى طريق مسدود كما يزعم البعض، خاصة وأن العرب لم يعودوا أمة واحدة، انما عادوا الى عهود قديمة كانوا فيها قبائل وعشائر تغزو بعضها وتعيش على مطلب الأخذ بالثأر. صحيح ما يقال للأسف، لكن هل فعلا انتهت القومية العربية ولم يبق لنا إلا أن “نقيم عليها مأتما وعويلا”، أم مازال هناك بصيص من الأمل رغم خيبة الأمل كما يقول الأب الفلسطيني د. رفيق خوري في كتابه ” فلسطين في القلب”: خابت آمالنا في هذه المرحلة، ولكنّ الأمل لم يمت، ولن يموت”!

 

 

القومية ولدت قبل عبد الناصر وستبقى بعد عبد الناصر، هذا ما كان يردده القائد ويؤكد على دور الشعب وليس الفرد. والقومية وحدتنا ولم تفرقنا، منحتنا القوة في اتحادنا وتوافقنا ولم شملنا، وأزالت التفرقة القبلية والطائفية والعشائرية بيننا، وجعلتنا شعبا واحدا. إن القومية العربية التي نادى بها عبد الناصر وعدد من المفكرين والمثقفين والكتاب، هي الضمانة لنا بأن نعيش باحترام وكرامة وعز وافتخار أمام الشعوب، فالجميع يتفق أنه لما كانت القومية في مجدها أيام عبد الناصر، كانت تلك مشاعرنا وكان العرب يلقون الاحترام في العالم، لكن عندما تخلى العرب عن قوميتهم وانساقوا وراء المخططات الغربية ورضوا بالانقسامات والحروبات الداخلية دخلوا الى عصر الحضيض من جديد، وهذا ما نشهده في أيامنا.
لقد ترك لنا عبد الناصر ارثا سياسيا وفكرا قوميا، يوفر للعرب حياة كريمة ومكانة عالية بين أمم العالم، لو أحسنوا التصرف وساروا في درب الناصر. لقد آمن عبد الناصر بالقومية العربية على أنها جامع لكل العرب وموحدة لهم. تلك القومية التي تجمع اللغة والتاريخ والجغرافيا، التي بين عواملها في “الميثاق”، وأكد: ” يكفي أن الأمة العربية تملك وحدة اللغة التي تصنع وحدة الفكر والعقل. ويكفي أن الأمة العربية تملك وحدة التاريخ التي تصنع وحدة الضمير والوجدان. ويكفي أن أمة العربية تملك وحدة الأمل التي تصنع وحدة المستقبل والمصير”.
اليوم في ظل انهيار كل القيم الانسانية والقومية والدينية في الدول العربية.. كيف لا نترحم على أيام عبد الناصر، كيف لا نشتاق لأيام القومية العربية التي جمعت في أحضانها كل أبناء الوطن العربي دون تفرقة على أساس ديني أو طائفي. بل أن القومية احترمت الأديان والانتماءات الدينية وجعلتها تتعايش جنبا الى جنب بسلام ووئام، فتعانق الهلال والصليب وارتفع الآذان بجوار رنين الأجراس وسار الشيخ الى جانب الكاهن في المظاهرات والمناسبات الوطنية وساد الشعار الخالد “الدين لله والوطن للجميع”.

** الكاتب زياد شليوط ابن مدينة شفاعمرو بالجليل

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى