محمد بكرية: رحلتُنا قبل الرحيل!

توسّلناه:

– يا أبانا.. ألا تستريحُ قليلًا؟

– لقد استنزفتْكَ الطريقُ، ألا نستريحُ قليلًا؟

كانتْ يداه معروقتيْن، رأسُه بين ساعديْه، جسمه مندفِعًا أمامًا، ساقاه عاريتان تفرِكان حصى الطريق.

صاحَ بنا :

– اتركوا يديّ ،لا تتلفّتوا إلى الخلف، لا يمينًا ولا شمالًا.. ارفعوا رؤوسَكم أعلى كي لا تُبصروا الهاوية، هيّا تقدّموا تقدّموا!

– يا أبانا لقد لقيتَ من هذا الدربِ وصبًا ،ألا تستريحُ قليلا؟

-صرخَ بأعلى ما في حُنجرتِه من قوّة الدفْعِ بالكلمات:

-هيّا، انطلقوا ولا تتلكّأوا، خطواتٍ قليلة ونصلُ نهاية هذا الطريقِ الوعرة.

وكان ليلٌ، ويكونُ ظلامٌ، ويكونُ هزيعٌ أخيرٌ من اللّيل، ويصيرُ فجرٌ ويكونُ نهار.

وما إن بلغناها نهايةَ الطريق الصاعدة أعلى حتى صِحْنا جميعًا وبصوتٍ واحد:

 -يا أبانا هلا استرحتَ قليلًا؟

لم يأتِنا صوتُه لا غاضبًا ولا آمرًا.

 -يا أبانا هل نستديرُ إلى الخلف لنراك!؟

ثمّ جاءنا صوتُه من أعلى:

– الآن سأستريحُ يا أحبّتي كثيرًا.

صحنْا:

– لمَ صعدتَ فوق وكيف؟

قال مبتسمًا وقد فرشَ على مُحيّاه ابتسامة هادئة، محملِقًا بنا:

– لقد أتمَمْتُ ما أردتُ، الآن سأرتاحُ طويلًا!

 ثمّ ارتفعَ أعلى وأعلى ملوّحًا …

هكذا سافر أبونا، راضيّا مرضيّا.

وكانَ نهارٌ ويصيرُ ليلٌ ويأتي فجرٌ، تقلّبَ الزمان ، تبدّلتْ الفصولُ والمواسم، مرّت السنين ولم يدعْنا نلتفتُ خلفًا، لا يمينًا ولا يسارًا، كي لا نرى الهاوية.

ثبّتنا على المدار لنجريَ في مستقرّ لنا ثم ابتعدَ وابتعدَ في سرابٍ خارجَ المدار، لكنّه لم يغِب عن الانظار لم يغِب أبدًا.. إنّه ارتدادُ الوقتِ فقط!

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى