رانية عقل: الوجه المخفي للمناخ.. كيف تحوّلت البيئة إلى مرآة للعدالة والأخلاق؟

تبدو أزمة المناخ، للوهلة الأولى، نقاشًا حول درجات الحرارة والغازات والطاقة. لكن عند الاقتراب أكثر، تتضح صورة مختلفة: ما يحدث في البيئة ليس حدثًا طبيعيًا منفردًا، بل انعكاسٌ لطريقة تنظيمنا للحياة.

العالم يسابق الزمن نحو حلول تقنية ضخمة: طاقة متجددة، هندسة مناخية، واقتصادات خضراء. غير أن سؤالًا أكثر إرباكًا يطلّ من خلف المشهد:

هل ينجح الانتقال البيئي إذا ظلّت القيم التي أنتجت الأزمة كما هي؟ فالمناخ، في عمقه، ليس مسألة تقنية فقط. إنه مرآة ثقافية وأخلاقية تكشف:

– شهوة الاستهلاك، تقديس الربح، الفردانية المهيمنة، والهشاشة الاجتماعية التي تجعل فئات كاملة أكثر عرضة للخطر.

مدينة تبني منشآت للطاقة الشمسية لكنها تُهمل ظلّ شجرة في حيّ مهمّش؛ مجتمع يرفع شعار الاستدامة وهو يهدر خبز موائده؛ وسياسات تروّج للبيئة بينما تعمّق الفوارق الطبقية هذه كلها تشير إلى أن المشكلة ليست فقط في ماذا ننتج؟ بل في كيف نفكّر ونعيش؟

أحد الوجوه الأكثر خفاءً للأزمة هو مقياس النجاح ذاته. فالثقافة المعاصرة تربط الارتقاء الاجتماعي بالوفرة: بيتٌ أكبر، سيارةٌ أحدث، مقتنياتٌ أكثر.

غير أن هذا المعيار، الذي يبدو بريئًا، هو محرّك خفي للأزمة البيئية. فهو يوسّع الاستهلاك، ويُحوّل الطبيعة إلى مورد يلبي رغبات لا حاجات، ويجعل الرفاه مظهرًا لا جودة حياة.

ولا يتوقف الأمر عند البنية الاقتصادية، بل يتجلى في تفاصيل حياتنا اليومية:

نصوّر موائدنا أكثر مما نتشاركها،نستعرض فائض الطعام بينما المهمّشون يشاهدون الوفرة من بعيد، ويُغسل البيت والسيارة بكمية ماء تفوق ما يُهدر في طقس الوضوء وكأن قيمة الماء جمالية لا وجودية، وكأن النظافة الخارجية أهم من نظافة الضمير تجاه المورد ذاته.

هذا الانفصال يمتد إلى الإيقاع الكوني للحياة: فالليل، الذي جعلته الشرائع والحكمة الزمنية سباتًا ومجالًا لخفض الحركة والطاقة، تحوّل إلى سوق مضاءة بالفجر، تعمل فيها الأجهزة والإنارة والتكييف والإنترنت حتى ونحن لا نستخدمها.

وهكذا لا نهدر موارد فقط، بل نعيش في انفصال عن حكمة الطبيعة التي تنظّم حياتها بالإيقاع لا بالإسراف.

من هنا، تبدو العدالة البيئية ضرورة لا رفاهية. فالتحول المطلوب يتجاوز التكنولوجيا إلى إعادة تعريف العلاقة مع المكان والموارد والبشر.

يبدأ من المائدة، من التربية على الامتنان، من إعادة الاعتبار للظل والماء والهواء، ومن فهم الرفاه كجودة حياة لا وفرة مادية.

ربما تبدأ الثورة البيئية الحقيقية حين نعيد تعريف الغنى: ليس بما نراكمه، بل بما نحافظ عليه ونشاركه، وبقدرتنا على العيش بأقل لا بأكثر.

وفي النهاية، قد لا تبدأ الثورة البيئية في المصانع أو القوانين، بل في طريقة حياتنا: في ضوء نطفئه، وفي طبق نتشاركه، وفي قيمة نعيد تعريفها فـ”إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم”!!

** الكاتبة رانية عقل فنانة تشكيلية من كفر قرع

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى