رانية عقل: أطفال بلا فصول!

** حول تأثير الابتعاد عن الطبيعة على مناعة الطفل ونموّه النفسي
مع بداية كل شتاء، تتكرّر حالة باتت مألوفة في بيوتنا: تهطل أولى قطرات المطر، فتنشغل مجموعات الأهالي بالسؤال عمّا إذا كان ينبغي إرسال الأطفال إلى المدرسة أو إبقاؤهم في البيت. ورغم أننا نشتري في مطلع الموسم معاطف وقفازات وأحذية مناسبة، إلا أنّ كثيرًا من الأطفال لا يعيشون المطر إلا من خلف النوافذ. ينتقل الطفل من البيت إلى السيارة، ومن السيارة إلى الصف، دون أن يلمسه الهواء البارد أو يختبر ملمس الشتاء الحقيقي.
لم تعد المشكلة في الطقس ذاته، بل في الطريقة التي نسمح له من خلالها بالدخول إلى حياة أبنائنا. وفي التربية الخارجية حول العالم، تُستخدم قاعدة بسيطة تعكس هذا المعنى: لا يوجد طقس غير مناسب للخروج… بل ملابس غير مناسبة للطقس. حين ندرك هذا المفهوم، تتغيّر علاقتنا بالمطر وبالفصول جميعها.
يقضي الطفل اليوم معظم وقته في بيئات مغلقة ومدفّأة أكثر مما ينبغي: منزل بدرجة حرارة عالية، سيارة مغلقة، صف مزدحم ودافئ، ثم العودة إلى المنزل ذاته. بهذه الصورة يعيش كثير من الأطفال داخل ما يشبه غرفة زجاجية أو فقاعة حرارية لا يصلهم من العالم الخارجي سوى القليل.. لا ريح، لا برد خفيف، لا طين، ولا فرصة لسماع المطر إلا كصوت بعيد. وفي بلاد تتبدّل فصولها بوضوح، من رياح الخريف إلى مطر الشتاء وصفار أواخر الصيف، يبدو هذا الحرمان فقدانًا لتجربة أساسية في النمو.
توضح الأبحاث العلمية الحديثة في طب الأطفال وعلم الأعصاب أن التعرّض التدريجي للبرد يساعد على تقوية الجهاز المناعي، لأنّ الجسد يحتاج إلى تغيّر معتدل في درجات الحرارة ليظل يقظًا وفعّالًا. الخطر لا يكمن في الهواء البارد، بل في الانتقال المفاجئ من تدفئة مرتفعة إلى برد قاسٍ. وتشير الدراسات كذلك إلى أنّ المطر ينقّي الهواء، ويخفّض الغبار، ويعزّز تكيّف الجهاز التنفسي لدى الأطفال، فيما لا يرتبط المرض بملامسة المطر بقدر ما يرتبط بضعف المناعة.
أما اللعب بالطين، والذي قد يبدو للكثيرين أمرًا هامشيًا، فقد أثبتت الدراسات في دول الشمال الأوروبي والولايات المتحدة أنه يرفع من تنوّع البكتيريا المفيدة على الجلد، ويقلّل التوتر الداخلي لدى الطفل، ويُحسّن قدرته على التركيز. كما أنّ الأصوات الطبيعية مثل خفق المطر وخشخشة الأوراق تخفّض مستوى هرمون التوتر، وترفع هرمونات السكينة، وهو ما يجعل الأطفال أكثر هدوءًا واستقرارًا في الطبيعة مقارنة بالبيئات المغلقة.
لا تتوقف أهمية الفصول عند أثرها المناعي فقط. فلكل فصل رسالة تربوية فطرية تساعد الطفل على فهم العالم.
الخريف يعلّمه معنى التغيّر والتجدد من خلال رؤية الأوراق تتساقط.
الشتاء يقدّم درسًا في السكينة والصبر بصوت المطر ورائحة التراب المبتلّ.
الربيع يعلّمه القدرة على النهوض من جديد مع عودة البراعم. والصيف يفتّح فيه معنى القوة والنضج.
وحين يُحرم الطفل من الفصول، يُحرم من أول منهج تربوي عرفه الإنسان قبل المدارس والمناهج المكتوبة.
وقبل كل هذا، يتلقى الطفل دروسه الأولى من خلال الحواس. صوت المطر، ملمس الطين، رائحة الأرض بعد أول مطرة، ضوء الشتاء الرمادي، صفار أواخر الصيف.. كلها تجارب تشكّل تركيزه، خياله، قدرته على تنظيم انفعالاته، وصلته بالمكان والبيئة. إنها ليست ترفًا، بل حجر الأساس في نموه الحسي والعاطفي.
غالبًا لا يخاف الطفل من المطر أو الطقس، بل يتعلم الخوف من ردود فعل الكبار. وبين الحرص الطبيعي والقلق المبالغ فيه مساحة واسعة قد نفقد خلالها قدرة الطفل على الصمود. الطفل الذي يواجه البلل والبرد الخفيف والطين يصبح أكثر استعدادًا لمواجهة ما هو أكبر وأكثر تعقيدًا.
ولإعادة هذه العلاقة الطبيعية بين الطفل والفصول، لسنا بحاجة إلى تغييرات كبيرة. يكفي أن نمشي معه عشر دقائق في يوم ممطر، أو نأخذه لرؤية أوراق الخريف المتساقطة، أو نسمح له بغرس يده في التربة مرة في الشهر، أو نخفّض درجة التدفئة قليلًا، أو نفتح نافذة صباحية لدقيقة. والأهم من ذلك: أن نخرج معه إلى الطبيعة في الشتاء كما نخرج في الربيع.
فالطفل الذي يعيش الفصول بملابس مناسبة لا بعزلة مفرطة يرى العالم كما هو، ويتعلم من الطبيعة ما لا تعلّمه الكتب: معنى التغيّر، الانتظار، العودة بعد التعب، والنضج.
الفصول ليست حالة جوية فحسب، بل طريق قديم لتربية الإنسان. وطفل بلا فصول… هو طفل بلا معلم كان ينتظر أن يمدّ له يده خارج النافذة!
** رانية عقل فنانة تشكيلية وكاتبة ومربية من مدينة كفر قرع.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



