وفاء داري: المتن الأزرق تشريع لوعي الطفل

** حول قصة “أريم والكتاب الأزرق”، تأليف د. سيما صيرفي ورسوم سعاد عمر الكلالي
تندرج القصة تحت أدب الأطفال، هي محاولة إبداعية تلامس أحد حقوق الطفل الأساسية: حق الرعاية الصحية والمرافقة، وتحاول دمجه في سياق سردي مُحبب. إنّها قصة تنطلق من تفصيله يومية بسيطة تواجها كل الأمهات (المرض والذهاب للطبيب) لتُفجِّر قضية أعمق تتعلق بالثقة، الأمن النفسي، وتمكين الطفل من حقوقه.
صورة الغلاف هي العتبة المضيئة إلى عالم أريم
يُشكل الغلاف العتبة النصّية الأولى، وهو مصمم ببراعة تلائم عالم الطفولة. يهيمن عليه اللون الأرجواني الهادئ، الذي غالبًا ما يرتبط بالخيال وهناك حكمة في اختيار الألوان، مما يوحي بدخول عالم سحري ومُريح.
التكوين البصري: نرى أريم جالسة في بؤرة الضوء (القادم من المصباح)، محتضنة دميتها طفلة صغيرة (قد تكون دلالة على حق الرعاية) وتقرأ في الكتاب الأزرق المُعنون بحقوق الطفل. هذا الدمج المباشر بين الفعل (القراءة) والرمز (الكتاب الأزرق والحق) يُعلن صراحة عن رسالة القصة الجوهرية.
ملائمة الرسومات: الرسومات على الغلاف وفي الصفحات الداخلية (كصفحة 5 و7) تتميز بأسلوب رسوميات رقمية مُشبعة بالألوان ذات حواف ناعمة، وهي ملائمة تمامًا لجيل الألفية وما بعدها (جيل Z وما يليه). إنها رسومات تُنشئ بيئة دافئة ومُطمئنة، بعيدة عن القتامة، ومُفعمة بالتفاصيل الجاذبة (مثل الزينة والمفارش). هذا التوظيف البصري يخدم رسالة القصة التربوية والنفسية.
الانزياح في التلقي: الغلاف لا يعد فقط بقصة مسلية، بل يعد بـرسالة معرفية عميقة مُغلفة بدفء الحكاية، وهو انزياح ذكي في أدب الأطفال الذي غالبًا ما يتأرجح بين الترفيهي والتعليم المباشر.
الفئة المستهدفة: القصة تناسب بامتياز الجيل الذي يقع في المرحلة الانتقالية من الطفولة المبكرة إلى المتوسطة. مُلائمة بشكل أفضل ما بين (7-10) سنوات. فئة (7-8) سنوات تستوعب البنية السردية والرسومات. فئة (9-10) سنوات تبدأ في استيعاب البعد الحقوقي والترميز، خاصة عبارة “ومن حقي أن ترافقيني عند فحص الطبيب لي” (صفحة 10). الفئة العليا (11-12) قد تجد الحبكة بسيطة، لكنها تظل قيمة مُضافة لترسيخ الوعي بالحقوق.
البنية السردية: تدرّج الحدث من الذاتي إلى الحقوقي، حيث تتميز البنية السردية بالبساطة والخطية، وهي ضرورية لقصص هذه الفئة العمرية. تبدأ القصة بالمرض المفاجئ (صفحة 4)، مرورًا برحلة الطبيب المُحفوفة بـالقلق الطفولي (صفحة 8)، ثم تتبلور الأزمة حول حق المرافقة (صفحة 10) لتصل إلى حلّها بتمكين الطفل ومعرفة حقوقه (صفحة 13 وما بعدها).
البناء الزمني والمكاني: مُحكم وظيفيًا. انتقال أريم من منطقة الراحة (السرير) إلى منطقة الصراع (العيادة) يجسد أهمية الموضوع.
الزمن: زمن القصة مكثف ومُركز حول يوم واحد (صباح ماطر وبارد). هذا التكثيف الزمني يخدم سرعة الإيقاع وملاءمته لتركيز الطفل.
المكان: تتنقل أريم بين ثلاثة فضاءات رئيسية: المنزل (غرفة النوم) (فضاء الدفء والأمان)، والعيادة (غرفة الانتظار وغرفة الفحص) (فضاء القلق والمواجهة)، ومكتب مدير العيادة/المستشفى (فضاء الحل والتمكين). هذا التدرج المكاني يعكس تدرج الصراع النفسي وصولاً إلى الحل المؤسسي.
اللغة والأسلوب والعمق التربوي في صياغة لينة.
اللغة المستخدمة في النص عربية فصحى بسيطة وواضحة، مع غلبة للجمل الخبرية والمباشرة. هناك اهتمام واضح بالتشكيل ومراعاة علامات الترقيم. ومن جانب اللغة التعليمية والتربوية: تبرز أهمية اللغة في إدماج مفاهيم حقوق الطفل بـشكل غير مباشر أولًا (عبر الحوار) ومباشر لاحقًا (عند ذكر الكتاب الأزرق وحق المرافقة). عندما تتشبث أريم بحقها في مرافقة أمها، هذا انزياح لغوي مُهم، إذ يُحوّل الشعور الطفولي بالخوف إلى مطالبة واعية بالحقوق. برز إتقان التدرّج المباشر في الجمل، نلمس هذا التدرج في الانتقال من الجمل الوصفية البسيطة على سبيل المثال: “فِي صَبَاحٍ مَاطِرٍ وَبَرْدٍ قَارِسٍ”(صفحة 4) إلى الجمل الحوارية المُحمّلة بالعاطفة “يَا أُمِّي، أَظُنُّ أَنِّي مَرِيضَةٌ وَمُرْهَقَةٌ، أَرْجُوكِ دَعِينِي فِي الْبَيْتِ الْيَوْمَ” (صفحة 6). هذه الجمل تحاكي منطق تفكير الطفل ومحاولاته التملص من الموقف المخيف.
المحامية د. سيما صيرفي

الحبكة ومستوى التأويل والترميز: من المَرَض إلى التمكين تتولد حبكة بسيطة لكنها ذات ثقل تأويلي وفلسفي عميق. النقطة المفصلية هي رفض الطبيب دخول الأم إلى غرفة الفحص، ثم اعتراض أريم المؤطر بحقوق الطفل. في هذا الصراع الرمزي، يرمز الطبيب إلى السلطة المعرفية والروتين المؤسسي الجامد، ورفضه هو تجسيد للاستلاب الذي قد يتعرض له الطفل في مواجهة الأنظمة، بينما يمثل أريم والكتاب الأزرق الوعي الطفولي الجديد والتمكين الحقوقي.
هنا يكمن سر المصداقية والوعي المتجذر في نمط الكتابة: فبما أن الكاتبة، سيما صيرفي، هي محامية مُحاكية تمارس مهنة المحاماة إلى جانب الكتابة الإبداعية، فإن النص يستفيد من هذا الاندماج المنهجي بين المعرفة القانونية والموهبة الأدبية. هذا الاندماج يُضفي على السرد قوة خاصة، حيث تمكنت الكاتبة ببراعة من تحويل الخوف الطفولي من زيارة الطبيب إلى فرصة تعليمية لحق المرافقة. إنه تأويل عميق يُعلي من شأن الذكاء العاطفي والحقوقي لدى الطفل، مؤكدًا أن تجمُّع العلم والموهبة في عالم أدب الأطفال يمنح العمل وعيًا تشريعيًا مُقنعًا. أما الكتاب الأزرق فيبقى الترميز الأقوى، كونه المرجع الذي تستند إليه أريم (رمز المعرفة والقوة المُشرَّعة).
وفي سياق التعمّق اللغوي الذي اختطته الكاتبة، لا بد من الإشارة إلى انزياح بسيط وربما وحيد لوحظ على الصفحة (22)، وتحديدًا في مقطع الحوار الداخلي أو المونولوج وهو: “عَمُّو المُدير”. الذي يميل إلى اللغة العامية مع نسق الحوار الفصيح الرصين الذي ميّز بقية صفحات العمل. فبقدر ما يُعدّ هذا التناغم بين الفصحى والعامية أحيانًا قريبًا من لغة الفكر التلقائية للطفل، إلا أن الإبقاء على الوحدة اللغوية في الحوار الداخلي باللغة الفصحى كما هو الحال في السرد الخارجي والمحاورات المباشرة يضفي مزيدًا من الرصانة والاتساق على البناء اللغوي العام للنص، وهو ما يُعلي من القيمة التعليمية للقصة على المدى الطويل ويُرسّخ الملكة اللغوية السليمة لدى المتلقي الصغير. الملاحظة في ضبط الصياغة، لا تمسّ على الإطلاق من جوهر القيمة السردية للقصة، ولا تقلل من أهمية رسالتها التوعوية العميقة التي تسعى لرفع الوعي بحقوق الطفل وتمكينه.
في الختام: في الختام، تتجاوز قصة “أريم والكتاب الأزرق” كونها مجرد حكاية طفولية عابرة؛ إنها تُمثل منعطفًا فلسفيًا عميقًا في أدب الأطفال المعاصر. هذه النوعية من الأعمال التي يمتزج فيها الكاتب الأدبي بالوعي الحقوقي والتوعوي، كما تجسده تجربة الكاتبة المحامية سيما صريفي. لا تُقدّم للطفل عالمًا خياليًا فحسب، بل تُقدم له خارطة وجودية يستطيع من خلالها فهم موقعه في هذا العالم المعقد. إن تعميق هذا النمط يُرسّخ معادلة نقدية مُلحة بأن أدب الأطفال ليس مجرد ترفيه بريء، بل هو تشريع للوعي، وتأطير للحق، وتهذيب للمفاهيم. عندما يتحول الكتاب الأزرق إلى سلاح معرفي بيد طفلة (أريم)، فإننا نكون أمام انزياح إبستمولوجي – معرفي يمنح الطفل قوة المبادرة ورفض الخضوع للسلطة المُطلقة (الطبيب). وبذلك، يصبح الكاتب التوعوي هو مهندس اللغة والوعي، الذي يُحوّل القصص إلى مساحات آمنة لتعليم الطفل كيف يطالب بحقه بأدب، وبعمق، وبلاغة. هذا الأدب الذي يجمع بين جمال الصورة وعمق الرسالة هو ما يرتقي بحق ليكون الأساس الصلب لتنشئة أجيال لا تعرف القراءة فحسب، بل تعرف كيف تكون فاعلة وواعية في واقعها الذي نشت فيه.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



