د. نائلة تلس محاجنة: بين جمع المعرفة وتقطير المعنى …تأملات في الفهم على بساط التجربة

في بدايات الطريق، نتوهم بفكرة أن المعرفة، حين تتكاثر، ستقودنا بالضرورة إلى الحكمة. نراكم المفاهيم كما لو كانت حصونًا تحمينا من الغموض، ونعدّ الأسماء وكأن تسميتها تُنهي السؤال. يصبح العقل مخزنًا لا مختبرًا؛ مكتبة مكتظة بالكتب، لكن بلا فهرسة، بلا نظام، بلا مسار يقود إلى معنى. نلتهم المعلومات كما تُلتهم الوجبات السريعة: بلا مضغ، بلا انتظار، بلا أثر باقٍ. في زمن السرعة، أصبح العقل شاشةً مفتوحة لا ذاكرة لها، يتلقى ولا يحتفظ، يرى ولا يتأمل. نُسمّي الأشياء ظنًا أن تسميتها تُنهي ارتباكها، ونراكم المفاهيم كما لو أن كثرتها ستعوض غياب المعنى. لكن المعرفة، حين تُستهلك بلا سؤال، تتحول إلى ضجيج؛ كثافة بلا عمق، وامتلاء يخفي فراغًا أكثر اتساعًا. وكما حذّر أفلاطون في مؤلفه الجمهورية، “المعرفة ليست امتلاك الصور، بل إدراك الأشكال التي تمنحها حقيقتها“؛ غير أن العقل الحديث، المثقل بتدفق لا ينتهي من الصور، يضيع في سطحها، ويعجز عن النفاذ إلى ما وراءها. تصبح المعرفة أرشيفًا بلا بوصلة، ومخزنًا بلا معنى، ويغدو الفكر صدىً رقميًا يكرر ما عُرض عليه، لا فعلًا حيًا للفهم. هنا، في قلب هذا الامتلاء المصطنع، يولد السؤال الأول، الأخطر: هل ما نعرفه حقًا يضيء حياتنا، أم أننا نستخدم المعرفة لتأجيل مواجهة خواء المعنى في داخلنا؟ لعلّ أول خطوة نحو الفهم لا تبدأ بالمزيد من المعرفة، بل بالجرأة على التوقّف، وعلى الشك في هذا الفيض الذي لم يترك لنا وقتًا لنسأل.

وما إن يترسّب السؤال في أعماق أذهاننا، حتى يبدأ اليقين بفقدان صلابته. لا ينهار اليقين دفعةً واحدة، بل يتآكل بصمت، كما يتآكل الحجر تحت أثر الماء المتكرر. في لحظة غير محددة، ندرك أن ما كنا نثق به لم يعد يمنحنا الطمأنينة، وأن المعاني التي بدت يومًا ثابتة أصبحت رخوة، قابلة للتبدل، عاجزة عن الصمود أمام تعقيد الحياة. في العصر الحديث، حيث تتغير الحقائق بسرعة الأخبار، وتُستبدل القناعات كما تُحدَّث التطبيقات، لم يعد اليقين يُكسر، بل يُستنزف؛ يفقد وزنه تدريجيًا حتى يتحول إلى قشرة شكلية، تُستعمل ولا تُصدَّق. في هذا التآكل الهادئ، كما لاحظ هيغل في كتابه فينومينولوجيا الروح، تكتشف الذات حدود وعيها لا عبر الصدمة، بل عبر التناقض؛ عبر إدراك أن ما ظنته معرفة مكتملة لم يكن سوى مرحلة عابرة في تشكل الوعي. تتراجع الأفكار التي كنا نلوذ بها، لا لأنها خاطئة بالضرورة، بل لأنها لم تعد كافية. يصبح السؤال أكثر حضورًا من الجواب، لا بوصفه علامة ضعف، بل بوصفه بداية تحول. هنا، في هذه المنطقة الرمادية بين اليقين والشك، يتشكّل فراغ دقيق، بالكاد يُرى، لكنه يفتح إمكانًا جديدًا: أن نعيد التفكير لا في ما نعرفه، بل في لماذا نعرفه، وفي أيّ معنى يمكن للمعرفة أن تحتفظ به في عالم لم يعد يمنح وعد الثبات.

من هذا الفراغ، لا ينبثق المعنى كفكرة مكتملة، بل يُصاغ ببطء داخل التجربة نفسها. التجربة لا تأتي لتختبر الأفكار، بل لتكتبها من جديد على جسد العيش: في الألم الذي يعيد ترتيب أولوياتنا، في الفرح الذي يسبق قدرتنا على تسميته، في الانتظار الذي يمدّ الزمن حتى يصبح مادة محسوسة. هنا، لا نمتلك المعنى، بل نتشكّل به؛ تُعاد صياغة ما نظنه فهمًا عبر ما نحتمله، ونكتشف أن المعنى ليس ما نعرفه عن الحياة، بل ما نختار ترسيخه في نسيج تجربتنا. المعنى، في هذا المستوى، لا يُصاغ، بل يُستخرج، كما يُستخرج الملح من ماءٍ كثير. الأفكار التي لا تصمد أمام ثقل العيش تتبخر، وتبقى فقط تلك التي التصقت باللحم والذاكرة، بما رأيناه ولم ننسه، وبما فقدناه ولم نتجاوزه. التجربة هنا ليست برهانًا، بل احتكاكًا: احتكاك الذات بعالم لا يَعِد بالعدل ولا بالوضوح، لكنه يفرض الحضور. وهكذا، تنتقل المعرفة من السطح إلى العمق، من الكمّ إلى الكيف، وتتحول من معلومات نملكها إلى أثر يتركنا مختلفين. ما ينجو ليس ما كان صحيحًا نظريًا، بل ما أصبح قابلًا للعيش، وما استطاع أن يبقى معنا حين سقط كل ما عداه.

المعنى لا يُمنَح، بل يُنتزع، ولا يُنتزع دون خسارة. فكل معنى حقيقي يطالب بثمنه كاملًا، بلا تقسيط ولا أعذار. من يريد العمق، عليه أن يتخلى عن الطمأنينة السهلة، وعن اليقين الذي يشبه العكاز؛ نافعًا للمشي، لكنه يمنع الركض. كما كتب نيتشه في هكذا تكلم زرادشت: «لا يمكن للإنسان أن يبلغ ذاته العليا دون أن يعبر مناطق الهدم». فالمعنى لا ينمو في الأمان، بل في لحظة الانفصال: حين تتشقق الصور التي احتمينا بها طويلًا، وتنهار النسخ المريحة من ذواتنا، تلك التي صنعناها لنُرضي العالم لا لنواجهه.

في هذا التحول، لا نخسر أفكارًا فحسب، بل نخسر ذوات كاملة كنا نظنها نحن. يسقط الادعاء، وتتعرّى اللغة، ويصبح الفكر امتحانًا للقدرة على الاحتمال لا على التبرير. هنا، لا يعود السؤال: ماذا أفهم؟ بل: أيّ حياة أقدر على تحمّلها؟ فالمعنى الذي لا يُكلفنا شيئًا لا يغيّرنا، والمعنى الذي لا يهزّ الأرض تحت أقدامنا يبقى زخرفة فكرية. الخسارة، في هذا السياق، ليست نقيض المعنى، بل شرطه؛ كما تحتاج النار إلى أن تحرق لتصقل، يحتاج المعنى إلى الهدم ليصير قوة دافعة لا فكرة معلّقة. ومن يخرج من هذا الامتحان لا يعود كما كان: أقلّ يقينًا، نعم، لكنه أكثر صدقًا، وأكثر قدرة على الوقوف بلا أوهام.

بعد التحول، لا يعود المعنى فكرة نصل إليها، بل هيئة نصبح عليها. يتشكّل ببطء في الداخل، في طريقة النظر، في إيقاع الاختيار، فيما لم نعد نحتاج إلى قوله أو إثباته. هنا، لا نُعلن الفهم، بل نعيشه؛ لا نحمله كقناعة، بل نسكنه كاتجاه. ما تبقّى من المعرفة لم يعد عامًا ولا قابلًا للتبادل، بل صار جزءًا من نسيج الذات، ممتزجًا بخبراتها، بخساراتها، وبالحدود التي تعلّمت قبولها دون استسلام. في هذا الاستقرار، لا يعود المعنى صاخبًا ولا مهيمنًا، بل حاضرًا بهدوء، يعمل من الداخل كما تعمل الجاذبية: لا تُرى، لكنها تنظّم الحركة. نختبره في قراراتنا الصغيرة، فيما نتجنبه، وفي ما لم يعد يُغوينا. وكما يلمّح بول ريكور، حين يعبر المعنى من التفسير إلى الفهم، يتحوّل من خطاب إلى سيرة، ومن معرفة عن العالم إلى معرفة بالذات. هنا، لا نمتلك المعنى، ولا ندّعيه، بل نسمح له أن يعيد تشكيلنا، فنصير أقلّ تعلّقًا باليقين الصاخب، وأكثر رسوخًا في ما اختبرناه وعشناه، وأقدر على السير دون حاجة إلى ضجيج التبرير.

وحين يكتمل هذا المسار، لا يختفي المعنى في الكلام، بل يستقرّ في ما يسبقه ويليه. هنا، لا يعود الصمت فراغًا بين الكلمات، بل حالة حضور كثيف، حيث يتوقف العقل عن الشرح لأنه لم يعد في حاجة إلى الدفاع أو الإقناع. الصمت، في هذا المعنى، ليس انسحابًا من الفهم، بل شكله الأكثر نضجًا؛ لحظة تستقر فيها التجربة في الكينونة، ويُعايَن المعنى لا بوصفه فكرة تُقال، بل اتجاهًا يُعاش. هنا، لا نحتاج إلى إحاطة الوجود بالكلمات، لأن بعض ما ينكشف يبهت حين يُقال.

في هذا الصمت، تتجمع آثار الرحلة كلها: المعرفة التي تخلّت عن ضجيجها، الشك الذي أدى وظيفته ثم انسحب، التجربة التي صاغت المعنى، والتحول الذي أعاد تشكيل الذات. ما تبقّى ليس جوابًا نهائيًا، بل وضوح ساكن؛ قدرة على الحضور دون استعجال، وعلى الفهم دون ادّعاء. الصمت هنا هو الاستقرار الأخير للمعنى، لا لأنه اكتمل بوصفه حقيقة مغلقة، بل لأنه وجد موضعه في الحياة نفسها. وهكذا، لا ينتهي الطريق بالكلام، بل يبدأ من جديد في صمتٍ واعٍ. هناك، حيث يتوقف الشرح، يبدأ المعنى في أن يكون.

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى