ب. إبراهيم طه: الكبسولة الثالثة والستّون (63).. في يوم اللغة العربيّة: بْنُوص وشْنُوص!

نكتتان في اللغة العربيّة في يومها. والنكتة هنا لا تعني الطرفة وإن كانت لا تخلو منها. أصل النكتتين في ندوة لتكريم الأديب الأريب محمّد نفّاع “أبو هشام”، رحمه الله، في كابول قبل سنوات. تحدّثت فيها عن لغته المسحوبة من حياة الفلّاحين والعمّال وعامّة الناس. ولغة هؤلاء لا تولد من المعاجم ولا المجامع اللغويّة بل من الضرورات. والضرورات تُبطلُ المحظورات كلّها. وضربت مثالين حيّين من لغة أهل كابول.
المثال الأوّل في لفظة “بْنُوص”. كنت قد التقيت الحاجّ حسن في الصيدليّة بعد عودته من الحجّ. سلّمت وباركت وسألته كلّ أسئلة المشقّة والسفر والفندق والرفقة كلّها. ولمّا سألته عن الطبيخ هناك هزّ رأسه هزّات خفيفة وقال: “بتقدر تعرف عرب إسرائيل يا أستاذ عن بُعد كيلومتر من البنوص!”. وسكت الحاجّ حسن.
لم أفهم معنى قوله “بْنوص”! باغتتني اللفظة تمامًا واقتحمت قاموسي ولغتي دون تمهيد. فسألته: “شو هاي بنوص؟!” فقال مستهجنًا جهالتي في اللغة: “إنت برفسور وبتعرفش شو يعني بنوص؟! بنوص يعني كروش يا أستاذ!” ، فقلت محتجًّا وقد علا صوتي قليلا: “بَعرف! بس أنا بعرفها بالمفرد يا حاجّ حسن!”.
عدت إلى البيت وتساءلت: لماذا لم يقل الحاجّ حسن “كروش” واللفظة متداولة ومأنوسة في لهجتنا المحكيّة؟ يبدو أنّ الرجل كان يبحث عن كلمة تؤدّي معنى أضخم من كرش، فبحث في ذاكرته عن لفظة تستجيب بدقّة لمعنى الضخامة ولم يجد إلا “بَنْص”. وأدرك بفطرته السليمة أنّ “البنوص” قد تكون أكبر من الكروش. حتّى الصاد في كلمة “بَنْص”، وهو حرف صفير مجهور مفخّم، تمنح اللفظة ضخامة إضافيّة في معناها. وهكذا يكون الكرش، حسب المنطق اللغويّ عند الحاجّ حسن، هو هذا الذي يمدّه الواحد منّا بمقدار نصف متر إلى الأمام، أمّا البَنْص فهو هذا الذي قد يصل مداه إلى متر تقريبًا.. تقريبًا!
والمثال الثاني في لفظة “شْنُوص”. وقد وردت على لسان الحاجّ حسين (رحمه الله). التقينا في عرس عربيّ. ورحنا نتحدّث عن الحظوظ التي قد تبتسم لبعض الناس وتكشّر عن أنيابها لآخرين. فهذا يبتسم له الحظّ فيصير مليونيرًا وذاك يقصم الحظّ ظهره بضربةٍ لا تقوم له بعدها قائمة! كلّ من حضر الحديث شارك بقصّة من عنده. علا اللغط في المسألة فقام الحاجّ حسين وحسمها: “يا عمّي، الدنيا شنوص!!”..
خيّم صمت عميق عليّ وعلى بعض السامعين… “شنوص؟!!” من أين أتى الحاجّ حسين بهذه الكلمة؟! ولماذا لم يقل “حظوظ”؟ لأنّه ببساطة متناهية لا يعرف اللفظة العربيّة فبحث في ذاكرته اللغويّة عن لفظة ملائمة فلم يجد غير “شَنْص” (Chance). هذه هي اللفظة التداوليّة الوحيدة التي يعرفها بهذا المعنى فجمعها على “شنوص” بقوّة الحاجة. والحاجة أمّ الاختراع. ومنذ ذلك اليوم صارت اللفظة سبقًا لغويًّا مسجّلًا باسمه ببراءة اختراع!
لا تستطيع معاجم اللغة العربيّة ولا مجامعها في أيّ بلد عربيّ أن تحرم الحاجّ حسن من حقّه في جمع لفظة “بنص” على “بنوص”، أو الحاجّ حسين من تعريب لفظة “شنص” وجمعها على “شنوص”. والحسن أخو الحسين في اللغة!
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



