رانية عقل: الرصاصة ذروة مسار بدأ بصمتنا

 

لا نملك القدرة على إيقاف كل رصاصة، لكننا نملك القدرة على كسر المسار الذي يقود إليها.. لم يولد العنف فجأة في مجتمعنا، ولم يظهر كحادثة منفصلة عن سياقها. هو مسار طويل من الصمت والتغاضي، تنتهي ذروته بالرصاصة التي سبقها صمت في البيوت، وفي الشوارع، وفي الحيز العام. صمت التغاضي، وصمت الاعتياد، وصمت الخوف، وصمت المكان حين أُهين.

تتكوّن الفجوة أولًا داخل البيت، حين لا يجد الابن من يصغي دون استعجال أو حكم، وحين يثقل الخوف والإنهاك كاهل الأهل إلى حد الغياب غير المرئي. ثم تتسع في الشارع، حين يكبر الأطفال في أحياء بلا ظل، وبلا جمال، وبلا إشارات تقول لهم: أنتم مرئيون، وهذا المكان لكم.

المكان يتشكل بعلاقتنا به. إما أن يصبح حاضنًا، أو يتحول إلى مساحة طاردة. لسنا مالكي الأرض بقدر ما نحن منتمون إليها. وحين ننسى هذا الانتماء نتصرف كما لو أن المكان عابر، بلا ذاكرة ولا حق علينا.. هكذا اختُزل الوطن داخل جدران بيوتنا، وصرنا نشعر بالغربة تجاه الحيز العام.

كثيرًا ما نُرجع العنف إلى عوامل معروفة: انتشار السلاح، المال السريع، السوق السوداء، وتقصير الدولة المتعمد في حماية المجتمع العربي، ضمن سياق احتلال يترك الجريمة تنخر من الداخل. هذا توصيف صحيح، لكنه غير كافٍ.

العنف يستمر حين يجد فراغًا نفسيًا، وانقطاعًا في القيم المعيشة، وقطيعة مع كل ما يعلّم الصبر والمسؤولية والانتماء.. هنا يظهر سؤال البيئة، لا كشعار أخضر، وإنما كاختبار أخلاقي يومي.

العنف لا يقتصر على الرصاصة. هو حاضر بدرجات في تفاصيل حياتنا اليومية: طالب يضع العلكة أسفل المقعد لأنه لا يشعر بالمسؤولية تجاه الحيز العام. أب يرمي كوب القهوة الفارغ من نافذة السيارة إلى الشارع. بنت تقطع غصن شجرة بلا اكتراث. صراخ في الطرقات. استعمال أبواق السيارة غضبًا لا تنبيهًا. موسيقى صاخبة تنبعث من سيارات الشباب في كل وقت. سائق يوقف الشارع كله ليحادث سائقًا آخر. وأمهات يقفن أمام المدارس دون احترام ممر المشاة أو حق الطريق.

كل هذه التفاصيل، وغيرها الكثير، قد تبدو هامشية، لكنها أصل الداء وسلالم عنف. حين نعتاد خرق النظام، وعدم احترام الآخر، والتعدي على المكان، والتصرف كما لو أن الشارع لنا وحدنا، ندرّب أنفسنا دون وعي على منطق واحد: “أنا أولًا وثانيًا وثالثًا”، ولو على حساب غيري. بهذا المعنى يصبح السلاح ذروة مسار طويل، لا قفزة مفاجئة.

إلقاء النفايات في الحيز العام، في المناطق الخضراء المفتوحة، في الحقول والوديان وأطراف الأحياء، ليس سلوكًا عابرًا. هو عنف صامت، لأنه يعلن أن هذا المكان لا يعنينا.

العنف هنا يكمن في انعدام الانتماء، في الفكرة التي تقول: هذا ليس بيتي، وقد لا أعود إليه، ولا يهمني إن تشوه. مجتمع لا يشعر أفراده بالانتماء للمكان لا يدافع عنه، ولا يفتخر به، ولا يراه امتدادًا لكرامته.

لم نترك حولنا مكانًا يدهشنا، ولا مساحة تشعرنا بالفخر. الحيز العام تُرك للإهمال. ومع الإهمال تآكلت الغيرة، ثم الاحترام، ثم الرحمة. وحين يغيب الفخر المحلي يصبح الربح السريع قيمة عليا، ولو كان ثمنه الإنسان أو المجتمع نفسه.

حين يدخن شخص في ساحة مدرسة، أو جامع، أو مخيم صيفي للأطفال، دون اكتراث بطفل يقف إلى جانبه، فهذا ليس خيارًا شخصيًا، بل تعدٍّ على المساحة المشتركة.

الصراخ في الشارع، الزمامير الغاضبة، والموسيقى الصاخبة ليست مظاهر حياة، بل تلوث ضوضائي ينهك الأعصاب، ويكسر الإحساس بالأمان، ويدرّبنا على عنف سمعي يومي.

حين كان يتوفى جار لنا، حتى لو لم يكن قريبًا، كنا نخفض صوت التلفاز ونمتنع عن تشغيل الموسيقى أيامًا تضامنًا مع أهل الفقيد. اليوم ارتفع الصوت، وخفت الإحساس.. نطفئ سجائرنا في الطرقات فتشتعل الطبيعة حرائق. ليس لأن السيجارة وحدها تشعل النار، ولكن لأن اللامبالاة صارت عادة.

قال ابن خلدون إن “الترف إذا استفحل أفسد الأخلاق، وأضعف العصبية، ومهّد للانهيار”. فحين يصبح الربح السريع مقياس النجاح، والقوة مقياس القيمة، يُدفع جيل كامل إلى الهاوية بلا عمق ولا انتماء، لا للحيز العام، ولا للجار، ولا للمجتمع.

الأرض، على العكس، لا تربي بالعنف. لا تعطي ثمرها بالقوة، ولا تستجيب للاستعجال. هي تعلم الإصغاء قبل التدخل، والرعاية بدل السيطرة، والزمن الطويل بدل الحل السريع.

حين يشارك شاب في مشروع بيئي حقيقي، غير تجميلي ولا موسمي، يزرع بيديه، ينتظر، يخطئ، يصلح، ويرى أثر جهده، يتغير تعريف القوة داخله. تصبح القوة قدرة على الحماية، لا على الإخضاع. ويتحول المكان من ساحة صراع إلى مساحة مسؤولية.

لنكن واضحين. لا شجرة توقف رصاصة، ولا حديقة تمنع جريمة وحدها، ولا مظاهرات توقف الجريمة. لكن مجتمعًا يستعيد علاقته بالأرض، ويكسر العزلة، ويخلق مساحات مشتركة حية، هو مجتمع أقل استعدادًا لتدمير نفسه.

صار القتل رقمًا يُحدَّث، وخبرًا يُمرَّر، وإحصائية تُقارن بغيرها. وحين يتحول الإنسان إلى رقم تفقد الجريمة ثقلها الأخلاقي، ويفقد المجتمع قدرته على الارتجاف.. والتعوّد أخطر من الخوف.

– ما نحتاجه اليوم ليس نبوءات ولا خطابات ولا أرقامًا إضافية. ما نحتاجه وقفة صادقة مع أنفسنا، وسؤال واحد لا يمكن الهروب منه:
– ما الذي سنكف عن فعله؟
– ما الذي سنكف عن السكوت عنه، وعن تمريره، وعن تبريره، وعن تسميته تفصيلًا صغيرًا؟

قطعًا، قد لا نملك القدرة على إيقاف كل رصاصة، لكننا نملك القدرة على كسر المسار الذي يقود إليها.. نملك أن نعيد النظر في علاقتنا بالمكان، في سلوكنا في الشارع، في احترامنا للحيز العام، وفي قدرتنا على الإصغاء، وفي استعدادنا لتحمل مسؤولية جماعية بدل الاكتفاء بالحزن بعد وقوع الجريمة.

العنف هو ما نسمح له أن يتشكل بيننا يومًا بعد يوم.. وهناك يبدأ التغيير، أو لا يبدأ..!!

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى