مجمع اللغة العربية في البلاد: ضَربة لازم!

ما تزال لغتُنا العربيّة تُبهر أهلَها بدقّة معانيها، وميلها إلى الإيجاز مع اطّراد المعاني، ومن مظاهر ذلك ما شاع في الاستعمال الدّارج من قولهم: “ضَربة لازم”، وهو تعبير يُراد به الحتميّة ووجوب الفعل، وقد يتبادر إلى أذهاننا أنّ هذا التّركيب عامّيّ ولا أصل له في الفصيحة غير أنّ الرّجوع إلى أمّات الكتب المعجميّة يكشف خلاف ذلك؛ فقد جاءَ في معجم الصّحاح: لزمتُ الشّيء ألزمه لزومًا، ولَزِمْتُ به ولازَمْتُهُ، بمعنى لم أفارقه وصارَ واجبًا عليَّ، قال أبو ذُؤَيْبٍ:
فَلَمْ يرَ غيرَ عاديةٍ لِزامًا … كَمَا يَتَفَجَّر الحوضُ اللَّقِيفُ
والعاديةُ: القومُ يَعْدون على أرجلهم أي فحَمْلَتُهم لِزامٌ كأنّهم لَزِمُوه لا يفارقون ما هم فيهِ.

وجاءَ في بعض كتب المعاجم ما معناه إنّ أصل (لازم) في هذا الموضع (لازب) بالباء فأبدل العربُ الباءَ ميمًا فصارت (لازم)، لقربِ المخرج، وعلى هذا خرّجوا قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾، يعني بمكّة، واللّازب بمعنى اللّازق والثّابت، ورأى بعضهم أنّ (لازب)أجود من (لازم) في الاستعمال.
وقد فرّق الفرّاء في كتابه ما بينهما من حيث إنّ (لازب) لغة قيسٍ، أمّا (لازم) فهي لغة تميمٍ، وعلى هذا فالخلاف لهجيّ محض. وقالَ الأنباريُّ في المزهر في معاني كلمات النّاس ما نصّه: ما هذا بضربة لازب: معناه: ما هذا بلازم واجب، أي ما هو بضربة سيف لازب، وهو مَثَلٌ، وفيه لغتان: يقال ما هو بضربة لازبٍ، ولازمٍ، قال الشاعر :
ولا يَحْسبون الخيرَ لا شرَّ بعدهُ … ولا يحسبون الشرَّ ضَرْبَةَ لازبِ
وخلاصة القول أنّ التعبير الدارج (ضَربة لازم) ليس خارجًا عن نسق العربيّة ولا مقطوع الصلة بالفصيحة، وإنّما هو امتدادٌ دلاليّ لعباراتٍ وألفاظٍ أثبتتها المعاجم العربيّة القديمة، وإن اختلفت صيغها باختلاف اللّهجات والاستعمالات.
**
** الدقيق والدقيقة
تُعَدّ لفظةُ الدّقيق من الألفاظ العربيّة الثريّة دلاليًّا، إذ تتنوّع معانيها وتتشعّب استعمالاتها بحسب السّياق، وللكشف عن هذه المعاني والدّلالات علينا العودة إلى كتب المعاجم فمن معانيها كما ذكر الخليلُ في العين إذ قالَ: والدّقّة مصدر الدّقيق؛ وهو على أربعة أنحاء في المعنى.. فالدّقيق: الطّحين، والرّجل القليلُ الخيرِ هو الدّقيق، والدّقيق: الأمر الغامض، والدّقيق: الشّيء لا غلظ له، وقالَ ابن سيده: الدّقّة التّوابل وما خُلط به من الأبزار نحو القزح وما أشبهه، والدُّقّة: الملْحُ وما خلط به من الأبزار.
وقيل: الدُّقّة الملح المدقوقُ وحده، وما له دُقة أي ما له ملح، وامرأة لا دُقة لها إذا لم تكن مليحة، كما نجد في المعاجم الدَّقَّة وهو اسم المرّة من الفعل دقّ بمعنى النبضة أو الضربة، والدِّقَّة كمصدر للفعل دقَّ تدلّ على الضبط والإحكام.
وإذا أردنا ربط هذه المعاني بالوحدة الزمنيّة (الدقيقة)، وهي وحدة تساوي جزءًا من ستّين جزءًا من السّاعة، وكذلك وحدة لقياس خطوط الطّول أو العرض تساوي جزءًا من ستّين جزءًا من الدرجة، وجدنا أنّ هذا الاستعمال ينسجم مع معنى الشيء الذي لا غلظ له، أي الشيء القليل القدر قياسًا بغيره؛
ولذلك يشيع في الاستعمال القول: كلّها دقيقة، متضمّنًا معنى القلّة النسبيّة. وبذلك يظهر تطوّر دلالة الدّقيق انتقال اللّفظ من المعنى الحسّي المرتبط بصِغَر المقدار وعدم الغلظ، إلى دلالات معنويّة واصطلاحيّة في القياس والتحديد، بما يعكس مرونة العربيّة وقدرتها على استيعاب المفاهيم العلميّة الحديثة.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



