محمد دراوشة: قائمة وحدوية عربية.. الطريق إلى استعادة الثقة ورفع نسبة التصويت

لم يعد تشكيل قائمة وحدوية عربية فكرة عابرة أو رغبة رومانسية في جمع الصفوف، بل أصبح ضرورة سياسية واجتماعية تفرضها المرحلة. فالمشهد العربي في الداخل يشهد تراجعًا واضحًا في نسبة التصويت، وتآكلًا في الثقة بين المواطن وممثليه، وتشتتًا حزبيًا جعل الكثيرين يشعرون بأن أصواتهم لا تُحدث فرقًا. هذا الشعور لم ينشأ من فراغ، بل من سنوات من الانقسامات، والخطابات المتنافرة، والغياب عن معالجة القضايا اليومية التي تمس حياة الناس.
الوحدة هنا ليست مجرد ترتيب تقني للمقاعد، بل مشروع لإعادة بناء العلاقة بين الجمهور وقيادته. الأحزاب الأربعة العاملة في الساحة العربية تمتلك تاريخًا وتجربة وكوادر قادرة على العمل، لكنها منفردة لا تستطيع مواجهة التحديات المتراكمة. كل حزب يحمل جزءًا من القوة، لكن القوة الكاملة لا تتجسد إلا عندما تتوحد هذه الأجزاء في إطار واحد. الوحدة ليست تنازلًا، بل استثمار في المستقبل، وهي خطوة تعيد تعريف العمل السياسي العربي داخل البلاد.
نجاح هذا المشروع يتطلب اتفاقًا داخليًا عادلًا يضمن تمثيلًا متوازنًا للأحزاب، ويمنع الصراعات التي أرهقت الجمهور في السنوات الأخيرة. المطلوب قيادة مشتركة، برنامج سياسي موحد، وآلية واضحة لاتخاذ القرار، بحيث يشعر الناخب أن القائمة ليست تحالفًا هشًا، بل جسمًا سياسيًا مستقرًا قادرًا على العمل طويل الأمد. فالجمهور لم يعد يقبل بقوائم تُبنى على ردود فعل أو على حسابات شخصية، بل يريد مشروعًا واضحًا، مستقرًا، وشفافًا.
لكن الوحدة الحزبية وحدها لا تكفي. فالأغلبية الساحقة من المواطنين العرب غير منتمين حزبيًا، وهؤلاء هم الذين يحددون نسبة التصويت. تجاهلهم يعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها. المطلوب فتح الباب أمام الشباب، والنساء، والمهنيين، والناشطين المحليين، وكل القوى التي بقيت على الهامش. يجب أن يشعر هؤلاء أن القائمة الوحدوية ليست ملكًا للأحزاب فقط، بل مشروعًا مجتمعيًا واسعًا يرحّب بمشاركتهم ويمنحهم دورًا حقيقيًا في صياغة الخطاب السياسي وفي قيادة الملفات المهنية.
الشباب، على سبيل المثال، يشكلون القوة الأكبر عددًا والأكثر حيوية، لكنهم الأقل تمثيلًا في العمل السياسي. إدماجهم ليس خيارًا تجميليًا، بل ضرورة لضخ دم جديد في الحياة السياسية، ولإعادة بناء الثقة التي تآكلت عبر السنوات. والنساء أيضًا يشكلن قوة اجتماعية هائلة، لكن تمثيلهن السياسي ما زال محدودًا. القائمة الوحدوية يجب أن تمنح النساء مواقع متقدمة، ليس فقط احترامًا لمبدأ المساواة، بل لأن حضورهن يضيف رؤية مختلفة وضرورية في التعامل مع قضايا المجتمع.

** تصوير محمد خليلية
أما المهنيون والناشطون المحليون، فهم الذين يقودون التغيير الحقيقي على الأرض، ويعرفون تفاصيل احتياجات الناس اليومية. إدماجهم في المشروع الوحدوي سيمنح القائمة مصداقية أكبر، وسيجعلها قادرة على تقديم حلول عملية بدل الاكتفاء بالشعارات. كما أن المناطق المهمشة سياسيًا تحتاج إلى حضور فعلي، لا زيارات موسمية. هناك بلدات وقرى عربية لم تصلها الأحزاب إلا في موسم الانتخابات، وهذا ما خلق فجوة عميقة بين الناس والسياسة. على القائمة الوحدوية أن تبني علاقة مستمرة مع هذه البلدات، وأن تضع خططًا تنموية واضحة تستجيب لاحتياجاتها، وأن تضمن تمثيل أبنائها في مواقع متقدمة داخل القائمة.
القائمة الوحدوية يمكن أن تكون نقطة تحوّل إذا بُنيت بعقلية جديدة، عقلية تشاركية لا إقصائية، عقلية ترى في التنوع قوة لا عبئًا. الوحدة ليست مجرد ترتيب مقاعد، بل مسؤولية تاريخية. إنها فرصة لإعادة تعريف السياسة العربية في الداخل، وتحويلها من صراع حزبي ضيق إلى مشروع جماعي يضع مصلحة الناس أولًا. وإذا نجحت الأحزاب في تجاوز الحسابات الضيقة، وفتحت أبوابها للقوى المهمشة، فإنها ستعيد الثقة المفقودة، وترفع نسبة التصويت، وتستعيد الدور السياسي الذي يستحقه المجتمع العربي.
المستقبل لن يُكتب إلا بإرادة جماعية تؤمن بأن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا. والقائمة الوحدوية هي الخطوة الأولى نحو هذا المستقبل، إذا توفرت الشجاعة والرؤية والإرادة الصادقة لبنائها.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



