ب. احمد محمود إغبارية: شيفرة الأرض السّرّيّة!

أكاد أجزم أنّ ثمّة مركّبًا وجدانيًّا مزروعًا في الشّخصيّة الفلسطينيّة لا يمكن للإنسان الغربيّ أن يفهمه أو يمتلكه، لأنّه ببساطة غير مفطور عليه وليس مبرمجًا لكي يذوّته، هذا المركّب هو الانتماء للمكان بكافّة حيثيّاته وعلاقاته. ناهيك عن اللّغة الوجدانيّة العميقة التي طوّرها هذا الفلسطينيّ مع بيئته الحاضنة، والتي من خلالها يشتقّ كلّ مفرداته الوجوديّة الحيويّة.

مقارنة بذلك، تفتقر الشّخصيّة الغربيّة إلى مثل هذا الشّغف بالمكان، فهي قد تغيّر مسكنها وتنتقل من مكان إلى آخر أو قد تبدّل وطنها ولغتها وهويّتها، ربّما في ليلة وضحاها، دون أن يكون لذلك أيّ ارتداد سلبيّ على نفسيّتها ووجدانها.

أمّا الفلسطينيّ، فهو من فطرة مختلفة، وأنا أقيس الأمور على نفسي؛ حين أسافر إلى خارج البلاد، ومنذ اليوم الثّاني أو الثّالث لمكوثي في أيّ غربة، ينتابني حنين جارف إلى بيتي وأهلي وأصدقائي، وإلى الطّريق والشّجرة والصّخرة ودرج البيت وبابه وشبّاكه ومكتبته، وإلى أساليبي في الزّراعة وجني المحاصيل ومناجاة الزّيتون والتّشبّب بالرّبيع والوقوف قرب كرم الصّبّار والاتّكاء على سلسلة الحجارة الفاصلة بين حاكورتين..

وهذه فضائل أحملها أمانة من أسلافي القدماء وأحسبها مزروعة في داخلي منذ أن تفتّح وعيي ووقفت على قدميّ..

الفرق بيني وبينك، يا ابن العمومة، أنّ لديك أكثر من جواز سفر معدّة من أجل طارئ قد يطرأ..

بإمكانك أن تترك هذه البلاد متى تشاء، تمشّيًا مع خططك وبرامجك، بإمكانك أن تطلّقها وتنساها، ثمّ تقيم بصفة دائمة في البرتغال أو إسبانيا أو أمريكا أو ألمانيا..

بإمكانك أن تغيّر جنسيّتك ولغتك وأطباعك وعاداتك في الأكل، وأن تشتري قبرًا أنيقًا ترتاح فيه في أيّ بقعة على هذا الكوكب.. إقامتك هنا، في هذه البلاد هي مجرّد محطّة، مجرّد خيار مؤقّت قابل للتّغيير في أيّ لحظة.

أمّا أنا، فغداة وصولي مستجمًّا لأيّ مكان في الدّنيا، ينتابني الحنين إلى سلسلة الحجارة المصفوفة بعناية في القطاين، التي عمّرها جدّي.. هل تعي ذلك؟! أنا لا أملك إلّا خيارًا واحدًا وهو الحياة هنا والموت هنا..

هل تستطيع أن تفهم هذه البلاد مثلما أفهمها أنا؟!

 

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى