ب. إبراهيم طه: الكبسولة (69).. الأرض “لسيدي وستّي مش لشارع 6!”

* كبسولة تعزيز وتدعيم للمظاهرة الشعبيّة ضدّ مصادرة الأرض عند مفرق شفاعمرو!

قال لي أبو محمّد ونحن خارجان من مجلس عزاء: “سمعتْ يا أستاذ إنّك ناوي تبيع شقفة أرض!”، فقلت له بلطف بالغ: “لا يا أبو محمّد، عمري ما نويت.. ولا عندي نيّة أنوي!”.. مشى الرجل، ولم يمهلني حتّى أشرح له لماذا لا أنوي!

الأرضُ عند بعضهم، يا “أبو محمّد”، قاضيةُ الحاجات. لولاها ما عمّروا ولا زوّجوا ولا ركبوا سيّاراتٍ فارهات. يكبر الولد ويصير في حاجة إلى بيتٍ فاخر. والبيت الفاخر يحتاج إلى بنت حلال تَعمُر الدار. والدار العامرة تحتاج إلى سيّارة بورقتها. وبعد السيّارة طيّارة تنقل الولد وبنت عمّه في رحلاتٍ وجولات.. ومن أين نأتي بكلّ هذه المصروفات والولد لا يستطيع أن يحصّل كلّ هذا بعرق جبينه الغضّ؟! نبيع قطعة أرض!

والأرض عندي للحياة، يا “أبو محمّد”، تُطعمنا وتَسقينا وتُؤوينا.. كنّا نزرعها البامية والحمّص والفول والسمسم والقمح، القمح الذي إذا دخله الخيّال لا تراه، والخيار والبندورة البلديّة الزهريّة. كنّا نزرعها الثوم والفلفل والبصل البلديّ الحرّاق، والشمندر السكّريّ والبطّيخ والشمّام، شمّام القواديس البرتقاليّ المشقّق رائحته مثل العنبر وطعمه مثل العسل..

كنّا نزرعها التين والزيتون والدوالي، والقطف كيلو بلون التبر. ومن خيرات الأرض عملنا القطّين والزبيب والرصيص والمشقّح والمسبّح والمملّح، وقلائد البامية المجفّفة، ومربّى العنب ورُبّ الخرّوب وعصير البندورة، والبرغل الناعم والخشن، والفريكة نحفظها في سدّة المونة لأيّام الشتاء الباردة..

أرضي أنا تعرفني.. لحم أكتافي من خيراتها. وفيها درجت وسرحت مع المعزى والغنم. وتحت عروق تينها وزيتونها قرأت ودرست وكتبت وارتقيت..!

وحكومات إسرائيل فيها البركة، يا “أبو محمّد”، باعدت بيننا ليسهل عليها نهبها. وما كان بعيدًا عن العين كان عن القلب مُبعدًا! جفّفت المنابع والمرابع، وتحكّمت بالزرع والمَزارع، وأرسلتنا إلى الشوارع والمصانع!

دفعونا إلى ورش العمار عند موشي ويوسي، وحوّلونا من فلّاحين مكرّمين معزّزين إلى عمّال بالسخرة.. راح الذين حَمَوها بالسواعد، والذين عضّوا عليها بالنواجذ.. راحوا وخَلَفَ مِن بعدهم خَلْفٌ، باعوا الأرض وبدّدوا أثمانها وأهدروها في العِمارات والسيّارات والرحلات!

ألا تذكر، يا “أبو محمّد “، ما قاله آباؤنا وأجدادنا: “اللي باع أرضه ضاع عرضه”؟!  الأرض لا تخرب ولا تعطب و”لا بتنحرق ولا بتنسرق”..

اسألها هي إن كانت للبيع تُجبْك.. أنا حافظُها شبرًا شبرًا. وكلّ شبر بنذر. اسألها، “يا أبو محمّد”، فهي الباقية التي تملكنا. لها القرار. ولها الدار والديّار.. اسألها!!

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى