رانية عقل: الذاكرة كفعل بيئي!

* حين تصبح القصة علاقة، ويغدو الاسم حماية للمكان
ليس كل تلوث نتيجة جهل، أحيانًا يكون نتيجة فراغ في العلاقة، في المعنى، في الشعور بأن هذا المكان يخصنا ونخصه. حين تضعف هذه العلاقة، يصبح الإيذاء ممكنًا، ويغدو الإهمال سلوكًا عاديًا، ويتحوّل الضرر إلى تفصيل لا يوقظ الضمير.
الذاكرة هنا ليست حنينًا إلى الماضي، ولا استدعاءً عاطفيًا لمكان مضى، إنما معرفة متراكمة نشأت من العيش الطويل مع المكان. معرفة تقول كيف نستخدم الأرض دون إنهاك، وكيف نأخذ منها دون كسر، وأين نتوقف حين يجب التوقف. هذه المعرفة لا تحفظ في الكتب، بل تنتقل عبر الأجيال، في اللغة، وفي الفعل، وفي تفاصيل الحياة اليومية.
حين تنقطع هذه السلسلة، نخسر العلاقة التي كانت تحمل هذه القصة. تتسع فجوة بين الأجداد والأحفاد، بين معرفة المكان بوصفها عشرة ومعايشة، ومعرفته بوصفها معلومة عابرة. ومع غياب الاسم تغيب الرواية، ومع غياب الرواية يبهت الانتماء، وحين يبهت الانتماء يضعف الحرص.
في سياق الفلسطينيين في الداخل، حيث يجري تغيير الأسماء وتهويد اللغة والعلاقة مع الأرض على نحو مقصود ومنهجي، لا يمكن فصل الذاكرة البيئية عن هذا الثقل اليومي. تغيير اسم عين أو واد ليس مسألة لغوية، وليس عملية جراحية قسرية، بل عملية محو تدريجي للمعنى. مع كل اسم يُستبدل تُمحى طبقة من الذاكرة، ويُدفع الجيل التالي خطوة إضافية نحو النسيان، حتى يصبح المكان غريبًا، وهو ما زال قائمًا في الجغرافيا ذاتها.
هذا الخلل تنبّه له الفكر العربي مبكرًا. ففي مفهوم العمران عند ابن خلدون، تكون العلاقة بين الإنسان ومكانه شرطًا من شروط توازن الاجتماع. حين تختل هذه العلاقة، يختل الاجتماع، وتضعف القيم، ويتفكك التوازن. الذاكرة هنا ليست ماضيًا يُستعاد، بل شرط استمرار وحماية.
على الأرض، يتجلّى هذا الخلل بوضوح. في قرى تُهمَل فيها أسماء الوديان، يتحوّل الوادي إلى مسار بلا معنى، ثم إلى مكب. وفي ساحات مدرسية قاحلة، بلا شجرة أصيلة ولا ظل، يكبر الأبناء دون علاقة حقيقية بالمكان، ودون مفردات تحكيه أو تحميه.
اليوم، يتعرّف كثير من الأبناء والطلاب إلى طبيعة بلادهم عبر رحلات عابرة وإرشاد منظّم، يقدمه أشخاص من أهل البلاد، لكنهم خارج العلاقة اليومية. تُقدَّم المعرفة في ساعات محدودة وبكثافة عالية، فتصل كمعلومة طارئة لا كتجربة معيشة، ويبقى المكان حدثًا عابرًا لا علاقة مستمرة.
في المقابل، حين يجلس الأبناء مع أهل المكان، مع الأجداد الذين يحملون القصة كما عاشوها لا كما شُرحت، يدخلون في حكاية كاملة. حكاية الأرض وأهلها، والعمل، والنضال، وما تغيّر وما بقي. وحين تُروى القصة بالفعل، عبر المشي، وفي الصمت، وفي ملامسة الأرض، تتكوّن المعرفة قبل أن تُقال. الصمت لغة، والحركة معرفة، والعلاقة تُبنى بين الإنسان والمكان قبل أن تُصاغ بالكلمات.
فلنُبقِ هذا الباب مفتوحًا على الدوام، وألا نُسلِّم المعرفة والذاكرة إلى غيرنا، ولا نُرجئهما إلى مناسبة عابرة أو برنامج مؤقت. فالمعرفة والذاكرة ليستا ترفًا ثقافيًا، وإنما حقًا أصيلًا، حقًا إنسانيًا عميقًا، يتصل بجوهر حضورنا في المكان ومعناه. هو حق لأبنائنا أن يتعرّفوا إلى المكان من خلال أهله، لا عبر روايات معزولة أو سرديات مبتورة، وأن يصغوا إلى القصة من أفواه الأجداد الذين عاشوا الأرض وسكنتهم، وحملوا ذاكرتها في تفاصيل حياتهم اليومية.
وهو حق لنا، في الوقت ذاته، أن نوثّق ما يُقال قبل أن يتبدّد، وأن نحافظ عليه حيًا ومتداولًا، ونخرجه من الأرشيف أو بالأحرى من الذاكرة والمتاحف (إن وجدت)، ليبقى متجددًا في الذاكرة الجماعية. إن تداول الحكاية من جيل إلى جيل، عبر الكلام والممارسة والحضور الفعلي، هو ما يمنحها القدرة على الاستمرار والتأثير.
وبهذا الفعل، تتحوّل الذاكرة إلى مساحة مشتركة للمعنى والانتماء، وتغدو المعرفة ممارسة حيّة تُصان بالفعل، لا بالغياب، وتُورَّث بوصفها حياة متواصلة، لا ماضٍ منقطع. اخرجوا مع أبنائكم إلى الأمكنة التي تحمل الحكاية، واجلسوا إليهم ومعهم، وإلى من عاشوا تفاصيلها، وامنحوا الإصغاء حقه قبل الشرح والتفسير. دعوا الذاكرة تُعاش بوصفها خبرة حسية وإنسانية، لا مادة جاهزة للشرح أو التلقين.
فعندما تُستحضر الذاكرة في الفعل والمشاركة، تتحرر من كونها مجرد سرد شفهي أو فكرة مجردة، لتغدو ممارسة يومية تتشكّل داخل العلاقات الإنسانية. بهذا المعنى، تصبح الذاكرة قوة فاعلة في الحاضر، تُنتج وعيًا ومسؤولية وانتماءً. وحين تتحول الذاكرة إلى علاقة، يصبح المكان أكثر من جغرافيا صامتة؛ يتحول إلى كائن حي يسكننا بقدر ما نسكنه.
عندها ينشأ الارتباط العميق بالأرض والحي والبيت، باعتبارها امتدادًا للذات والهوية، ومن هذا الارتباط تتولد الممارسة البيئية الحقيقية، القائمة على الحماية والرعاية، ليس بدافع الواجب المجرّد، ولكن لأن المكان جزء من نسيج حياتنا وذاكرتنا الجماعية، ولأن الاعتداء عليه هو اعتداء على ذواتنا نفسها.
** رانية عقل فنانة تشكيلية وناشطة بيئية من مدينة كفر قرع
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



