وفاء زعبي: مظاهرة الرايات السوداء تزلزل تل ابيب!

​في تمام الساعة السادسة من مساء أمس السبت 31/1  لم تكن شوارع تل أبيب مجرد ممرات إسمنتية، بل تحولت إلى ساحة لملحمة إنسانية. من “ميدان المتاحف” وصولا إلى “ميدان هبيما”، امتدت خطوات الحشود التي انتظمت من كافة المدن والقرى العربية، ليرتفع صوت أكثر من 100,000 متظاهر في واحدة من أضخم الاحتجاجات التاريخية، رفضاً لسياسات التهميش واستباحة الدم العربي أمام آلة الجريمة المتفشية.

​صيحات التغيير والربيع المنشود

​وسط الحشود، ارتفعت الأعلام السود عاليةً، ملوحةً في أفق المدينة التي لا تنام. لم تكن مجرد قطع قماش، بل كانت رمزاً بليغاً للحداد الوطني على أرواح الضحايا، وصرخة احتجاج ضد نظام يُفرط بأمان المواطن العربي. وبينما كانت الحناجر تصدح بهتاف زلزل الأركان: “الشعب يريد إسقاط نتنياهو”، لخص منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، نبض الشارع بقوله: “المظاهرة اليوم هي مجرد البداية، الجمهور العربي استيقظ”.

​أراقب هذا المشهد المهيب وأتساءل بقلبٍ يملؤه الرجاء: هل نعيش اليوم بوادر “الربيع العربي” الذي لطالما سمعنا عنه؟ هل يكون لهذه الصحوة وقعٌ يغير وجه السياسات في هذه الدولة نحو مجتمع ينشد الأمن؟ إنني أؤمن أن اختيار تل أبيب كمنصة لهذا الاحتجاج هو إنجاز استراتيجي بحد ذاته، لإيصال صوت القهر إلى عقر دار من صمّ آذانه لسنوات عن أنين مجتمع يعاني ويستنجد، ولنزع الأقنعة عمن يتشدقون بالديمقراطية بينما يغرق جيرانهم في بحر من الدماء.

​لحظة فارقة لا حدث عابر

​لم يمر هذا الحشد مرور الكرام، في الحلبة السياسية، فقد أحدثت المظاهرة هزة في الأوساط السياسية. ​في اليمين الحاكم،  وصفت المظاهرة بأنها تحدٍ لسيادة الدولة، في محاولة للهروب من استحقاقات الفشل الأمني الذريع الذي أدى إلى هذا الانفجار الشعبي. بينما لاقت المظاهرة تأييداً من المعارضة الليبرالية التي رأت في صرخة العرب “مرآة لسقوط الدولة الأخلاقي”. وقد اعتبرت مشاركة نخب يهودية في المسيرة كاعتراف بـ “نرجسية المؤسسة” التي أهملت دماء المواطنين العرب، مؤكدين أن الأمن القومي لا يتجزأ. وقد اعتبرت اللجان الشعبية أن التنظيم اللوجستي هو رسالة قوة تظهر قدرة المجتمع العربي على الإدارة الذاتية والضغط الجماهيري المنظم.

​إن ما شهدناه اليوم يجب ألا يكون حدثاً عابرا، بل يجب أن يُسجل كلحظة فارقة للتغيير الدراماتيكي، وبداية حقيقية لتأسيس مفهوم المساواة في الأمن والأمان الشخصي والاجتماعي. لقد انتصرت الأصوات المدنية والسلمية اليوم على الصمت، وأثبتت أن إرادة الشعوب هي القادرة وحده على كسر شراك النظام العنصري وتطهير بلداننا من دنس الجريمة والخاوة.

** الكاتبة وفاء زعبي صحافية وباحثة اجتماعية، حاصلة على الماجستير في الإدارة والسياسة والقيادة. متخصصة في تحليل وتوجيه الحوارات حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتنشط في تغطية القضايا المجتمعية والسياسية.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى