الشيخ الدكتور محمد بدران: الهرطقة السياسية.. تعريف الظاهرة وأشكالها المعاصرة…….

** الكاتب هو  مدير عام دار الإفتاء والبحوث الإسلامية/الداخل الفلسطيني

تُعدّ الهرطقة السياسية من أخطر الظواهر التي أصابت الوعي السياسي في السياقات الدينية، إذ يجري فيها تحويل الخلاف السياسي الطبيعي إلى جريمة عقدية، وإعادة تعريف السياسة بلغة الإيمان والكفر، والولاء والبراء. في هذه اللحظة، لا يعود النقاش حول البرامج أو المصالح العامة، بل حول “سلامة المنهج” و“نقاء العقيدة”، بما يفضي إلى إغلاق المجال العام وتجريم التفكير النقدي.

أولًا: مفهوم الهرطقة السياسية

الهرطقة السياسية هي عملية نزع الشرعية الدينية عن الفاعل السياسي أو المفكّر بسبب مواقفه من السلطة أو من الشأن العام، أو خلاف مع منافسين له، او نجاحه في صيرورته السياسية، لا بسبب خروجه عن أصول الدين. وهي تختلف جذريًا عن مفاهيم البدعة والضلال في القواعد العقدية؛ إذ لا تتصل بجوهر الإيمان، بل بتأويل الفعل السياسي الذي هو بطبيعته مجال اجتهادي نسبي.

وفي هذا السياق، يتحول أحيانًا الحاكم إلى كيانٍ شبه مقدّس، وتُجرَّد السياسة من بُعدها الإنساني، لتُقدَّم بوصفها امتدادًا للعقيدة، لا ساحة للاجتهاد والمساءلة.

ثانيًا: الجذور الفكرية للهرطقة السياسية

تنشأ هذه الظاهرة حين يُلغى التمييز بين الدين بوصفه وحيًا إلهيًا ثابتًا، والسياسة بوصفها ممارسة بشرية متغيرة، تُدار بالمصلحة والموازنة. وقد حذّر القرآن من هذا الخلط حين قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 42)، إذ لا يقتصر تلبيس الحق على تحريف النص، بل يشمل توظيفه خارج سياقه لخدمة واقع سياسي بعينه.

ثالثًا: الهرطقة السياسية بين النص والتأويل

من أخطر تجليات الهرطقة السياسية تقديم التأويل البشري بوصفه “حكمًا شرعيًا نهائيًا”، واعتبار مخالفه خارجًا عن الجماعة أو مهددًا لوحدة الأمة، أو المجتمع، وهنا يُلغى الفرق بين النص القطعي والاجتهاد الظني، ويُستبدل الحوار الفكري بمنطق التخوين الديني، رغم أن التراث الإسلامي زاخر بثقافة الاختلاف، وتعدد الآراء في القضايا العامة.

رابعًا: الهرطقة السياسية وتعطيل المقاصد الشرعية

لا تقف خطورة الهرطقة السياسية عند حدود الخطاب، بل تتعداها إلى تعطيل المقاصد الشرعية الكبرى، وفي مقدمتها العدل، ورفع الظلم، وحفظ كرامة الإنسان. فحين تُستخدم النصوص لتكريس واقع جائر، أو لتحريم المطالبة بالإصلاح، يُفرَّغ الدين من روحه المقاصدية، ويُختزل في طاعةٍ مجرّدة عن القيم. وقد قرر القرآن أن غاية الرسالات هي إقامة القسط لا تثبيت الهيمنة، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25)، وهو ميزان يفضح أي توظيف ديني يناقض العدل باسم الاستقرار أو الجماعة.

خامسًا: الأشكال السياسية للهرطقة

تتخذ الهرطقة السياسية صورًا متعددة، من أبرزها:

–  تديين الطاعة السياسية وربطها بالإيمان الصحيح.

–  محاولة احتكار التفسير الشرعي وتجريم أي قراءة ناقدة.

–  وصم المعارضة بالفتنة لا بوصفها موقفًا سياسيًا بل انحرافًا دينيًا، وخروج عن السياق العام

– محاولة احتكار الفعل السياسي لخصوم محددين لإقصاء المنافسين لهم

– تحريم الفعل السياسي السلمي بذريعة سدّ الذرائع، مع تعطيل مقاصد العدل والشورى؛ “في الإطار الأوسع”.

سادسًا: الآثار الفكرية والاجتماعية

تؤدي الهرطقة السياسية إلى شلل في الوعي العام، وتحويل الدين من قوة أخلاقية ضابطة للسلطة إلى أداة تبرير لها. كما تفضي إلى تعطيل فريضة المحاسبة التي أكدها القرآن بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2)، وهو نص يؤسس للمسؤولية الجماعية لا للطاعة العمياء، لأصحاب الأهواء ولمن يظنون أنفسهم أنهم أوصياء على الدين، أو الأوصياء على الخطاب السياسي، حيث يظنون أنفسهم بأنهم معصومين لا يخطؤون

خاتمة: ضرورة التفكيك النقدي

إن تفكيك الهرطقة السياسية شرطٌ لبناء وعي سياسي سليم، يُعيد للدين قدسيته، وللسياسة نسبيتها، ويحرّر المجال العام من الوصاية العقدية، ومن تحويل الخلاف المشروع إلى تهمة دينية مقنَّعة… ويبقى كلامي وجهة نظر… ولكم مني التحية والسلام

 

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى