ب. احمد محمود اغبارية: “طبخة رمضان”، لا هي طبخة ولا هي في رمضان..!

بصرف النّظر عن كونها فكرة وُلدت من رحم الدّين أو من خارجه، “طبخة رمضان” هي لفتة إنسانيّة وظاهرة أخلاقيّة حميدة، وتلك حقيقة لا ينتطح فيها عنزان.
هذه الفكرة، التي قد تكون متّبعة في مجتمعات إسلاميّة وغير متّبعة في أخرى، لها مبرّراتها الاجتماعيّة والأسريّة المختلفة، من قبيل أنّ ربّة البيت قد تكون مقبلة على الشّهر الفضيل بما يتخلّله من إفطارات مطهّمة ومكلفة وسهرات طويلة حتّى موعد السّحور، ناهيك عن العيد وعن طقوسه التّعجيزيّة ومصروفاته الفلكيّة..
وحتّى لا يضطرّها الحال، هي وزوجها، إلى الاستدانة من البنوك أو من السّوق السّوداء، لا قدّر الله، كما هو حال الكثيرين والكثيرات في زمننا هذا، يأتي دور الأهل في سدّ هذه الحاجة، فتكثر الزّيارات التّموينيّة والتي يتمّ فيها تزويد “الولايا” بمختلف أنواع المؤن الضّروريّة دعمًا لهنّ وتخفيفًا عن العبء الملقى على عاتقهنّ، هنّ وأزواجهنّ.
بيد أنّ المتتبّع لفكرة “طبخة رمضان” عبر العقود الأربعة الماضية سيجدها تتطوّر بشكل لافت بحيث راحت تنحرف وتفقد من معناها الذي أنشئت لأجله. فالفكرة التي بدأت كشكل من أشكال الدّعم اللوجستي والتّكافل الاجتماعيّ الذي يتمّ تحقيقه خلال شهر رمضان، وعلى موائد الإفطار، حيث يلتمّ الشّمل على وليمة رحمانيّة، يعقبها سهرة طويلة تتخلّلها كافّة أصناف المحفّزات، من حلويّات ومسلّيات وعصائر وأمتاس (جمع ميتس – عصائر)؛ صارت تُختزل إلى زيارة مسائيّة قصيرة بعيد الإفطار يتمّ افتتاحها بدفع النّقوط، ثمّ تعقبها جلسة بروتوكوليّة قصيرة وخجولة سرعان ما تنفضّ فيذهب كلّ إلى بيته وعياله.
وشيئًا فشيئًا، بدأت مواعيد “طبخة رمضان” تزحف حتّى أصبحت تصادف أيّامًا ما قبل رمضان وذلك تفاديًا لأيّة مصاريف زائدة على الطّرفين، الضّيف والمضيف، ولدى بعض الأسر، أصبحت الزّيارة تقتصر على طرقة باب خلال النّهار، وذلك قبيل رمضان بأسبوعين، فيتم تقديم النّقوط على استحياء والحصول على فنجان قهوة على الماشي..
هكذا غدت “طبخة رمضان” اليوم، مفرغة من معناها ومن مغزاها، لا هي طبخة، بل أوراق نقديّة جافّة، ولا هي في رمضان، بل في شعبان أو حتّى في رجب، ومن يدري إلى أين ستؤول الظّاهرة في السّنوات القادمة…!
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



