وفاء زعبي: يوم التشويش.. صرخة لإيقاظ رئيس أصمّ

بين صمت القبور الذي يخيّم على أروقة الحكومة وهدير الوجع الذي يزلزل الشوارع، لم يعد المجتمع العربي يكتفي بالبكاء خلف الأبواب الموصدة، بل قرر أن ينقل نزيفه إلى قلب الميادين التي طالما تجاهلت أنينه. ففي مشهد يفيض بالإنسانية المذبوحة والسياسة العرجاء، انطلقت شرارة الغضب لتكشف عن عورة سلطة فقدت حواس التواصل مع مواطنيها. فلا هي تسمع النداءات المنهكة التي تطلقها الأمهات، ولا هي ترى الدماء التي تسفك في البلدان العربية، وكأن هناك قراراً غير معلن بأن يبقى هذا المجتمع غارقاً في دوامة الرعب والفقد.
مطالب مهملة ورسائل مؤجلة
لقد بدأت فصول هذا الحراك التصعيدي منذ يوم الأحد 8 فبراير، حين انطلقت قافلة مركبات ضخمة من شفاعمرو، التي التقت بمركبات المثلث والنقب وصولا للقدس لمباني الحكومة، محملة بآلام العائلات الثكلى ونشطاء لجنة المتابعة. والهدف كان الوصول إلى القدس للاحتجاج أمام مكتب رئيس الحكومة. إلا أن الشرطة، التي تغيب بشكل مريب عن مسارح الجريمة، حضرت بكامل عتادها لعرقلة القافلة وملاحقة السائقين بالمخالفات التعسفية والتعطيل الممنهج، في محاولة بائسة لخنق الصرخة قبل وصولها.
وعند أبواب مكتب نتنياهو، تجلى الجمود السياسي في أبشع صوره، حيث أكد جمال زحالقة، رئيس لجنة المتابعة، أن رئيس الحكومة لم يكلف نفسه حتى عناء استلام رسالة المطالب التي تنشد الأمن والأمان، في رسالة استعلاء واضحة تشير إلى أن نتنياهو لا يحرك ساكناً، وكأن أرواح 252 قتيلاً سقطوا في عام 2025 و39 منذ بداية هذا العام مجرد أرقام لا تستحق التوقف عندها.
تضامن واسع ودماء رمزية
ولم يتأخر الرد الشعبي، فجاء “يوم التشويش القطري” اليوم الثلاثاء، 10 فبراير، كخطوة تصعيدية تقررت في أعقاب مؤتمر العائلات الثكلى التذي نظمه حراك نقف معا، في الناصرة يوم 29 يناير الماضي.
هذا اليوم لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل كان صرخة ألم واحتجاج، حيث صبغ الناشطون مياه النافورات في المدن المركزية باللون الأحمر، لتجري المياه بلون الدم، تذكيراً لكل من يمر بأن الأمن الشخصي المفقود في المجتمع العربي هو وصمة عار على جبين الدولة برمتها.
وقد اتسعت رقعة المشاركة لتشمل أطباء من مستشفيات “شيبا” و”رامبام” و”سوروكا” و”شنايدر” و”زيف” و”يوسفطال”، بالإضافة إلى جامعات حيفا وبن غوريون ومعهد وايزمان، وشركات هايتك وعاملين اجتماعيين قادتهم رئيسة الاتحاد عنبال حرموني بصوت الحق، مؤكدة أن مكافحة الجريمة هي مسؤولية أخلاقية تتجاوز كل الحدود المهنية.
ازدواجية القبضة الأمنية: قمع المتظاهرين وتجاهل القتلة
إن ما يحدث الآن في الميدان، من انتشار مكثف للشرطة لمحاصرة المتظاهرين الذين ارتدوا السواد حداداً، يضعنا أمام مفارقة مريرة تصيب جوهر العقد الاجتماعي بالانهيار. فبينما تبرع الشرطة في قمع المتظاهرين السلميين واعتقال النشطاء بتهمة عرقلة النظام، تظل هي ذاتها عاجزة أو متقاعسة عن ملاحقة القتلة الذين يعيثون فساداً دون رادع.
إن هذا التقصير الأمني المتعمد، بمباركة حكومة نتنياهو الصامتة، يثبت أن الدولة لا تلتزم بواجبها الأساسي في حماية جميع مواطنيها على حد سواء.
إن الصرخة التي انطلقت في يوم التشويش من حناجر الأمهات اللواتي لم تجف دموعهن، هي إنذار أخير بأن المجتمع الذي قرر “تعطيل الحياة” لن يعود إلى الوراء، ولن يقف جانباً بعد الآن. فـ”الدماء” (الصبغة الحمراء)، التي لوّنت النافورات اليوم ستبقى شاهدة على أن النضال من أجل حق الحياة هو أقدس المعارك، وأن الصمت الحكومي لن يواجه إلا بمزيد من الإصرار على انتزاع الحق في العيش الكريم والآمن، بعيداً عن رصاص الغدر وإهمال السلطة.
من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com



