​وفاء زعبي: أثر الفراشة في مواجهة روتين الرصاصة!

​نقف في هذا اليوم المثقل بالدماء (الثاني عشر من شباط) أمام مشهد يعجز اللسان عن وصفه وتأبى الروح استيعابه.

خمسة ضحايا، خمسة أقمار أُطفئت في غضون أربع وعشرين ساعة فقط، في تصعيد إجرامي مرعب يجعلنا نشعر وكأننا نركض في “سباق إحصائي” محموم، لا ننتظر فيه نهاية المضمار، بل نرقب فيه علو الأرقام مع تقدم الأيام بكثير من الوجع المكتوم.

نحن لسنا أبناء ثقافة العنف، ولن نكون كذلك يوماً. فنحن شعبٌ جُبل على حب الحياة والبناء، إلا أننا وجدنا أنفسنا فجأة ضحايا لآلة قتل منظمة تقتات على غياب السيادة وقصور إنفاذ القانون.

​* سيكولوجيا الأمان المجهول

​إن ما يحدث اليوم يستوجب وقفة تحليلية مع واقعنا النفسي المأزوم. ففي أدبيات علم النفس الكلاسيكية، تُجمع النظريات على أن الكائن البشري يخشى “التجديد” ويهاب “المجهول”، بينما يجد في “الروتين” ملاذاً آمناً يحقق له الاستقرار النفسي والاجتماعي.

لكن المفارقة الصارخة في مجتمعنا العربي بالداخل قد قلبت هذه الموازين رأساً على عقب – فقد أصبح الخوف من الروتين بديهياً، وبات المجهول أقل رعباً من يومنا المتكرر.

روتيننا في بيوتنا، في شوارعنا وفي أماكن عملنا، أضحى غير مضمون، يعلوه الخوف المترصد من قريب، حيث لم يعد السؤال: “هل سيقع عدد من الضحايا اليوم؟”، بل: “متى وأين سيقع روتين الرصاص القادم؟”.

لقد تحول الأمان المفترض في الروتين إلى فخٍ من القلق الوجودي، حيث يتربص الموت خلف تفاصيل حياتنا اليومية البسيطة.

​* مواجهة لغة الأرقام البشرية

​وإذا ما أردنا إدراك حجم الكارثة بلغة الأرقام التي لا تجامل، فإن الحسبة الرياضية لهذا النزيف المستمر تبدو مرعبة وصادمة لكل ذي ضمير.

فبناءً على وتيرة هذا اليوم الدامي بسقوط 6 ضحايا، فإننا إذا ما استمررنا على هذا الحال حتى نهاية العام، سنقف أمام رقم مهول يصل الى أكثر من 1000 ضحية في غضون عام واحد فقط..

هذا الرقم ليس مجرد بيانات في تقرير سنوي، بل هو نذير بانهيار مجتمعي كامل، خاصة حين نعلم أن الغالبية العظمى من هذه القضايا تُقيد “ضد مجهول”، في تكريس واضح لسياسة الإفلات من العقاب التي تجعل من القاتل بطلاً في الظل، ومن الضحية مجرد رقم في سجلات النسيان.

​* اقتصاد الغضب “أثر الفراشة”

​إلا أن هذا الظلام الدامس يكسره نور القوة الشعبية الكامنة في “مليوني مواطن”، التي لا يجب الاستخفاف بقوتها، ولا الإستهانة بأثر أصواتها. فكل فعل بسيط ومنظم يحمل في طياته “أثر الفراشة”، الذي يولد إعصاراً من التغيير في الطرف الآخر من المنظومة.

اذا استذكرنا ما حدث قبل أيام قليلة، حين قرر هذا الشعب الممتعض غضبا، في لحظة وعي جماعي، التوقف عن استخدام بطاقة الائتمان ليوم واحد فقط، فكانت النتيجة هزة اقتصادية عنيفة بلغت خسائرها 50 مليون شاقل خلال 24 ساعة..

هذا الرقم المهول هو البرهان القاطع على امتلاك هذا المجتمع لمفاتيح الضغط، وأن الصمود السلمي والمنظم هو القادر على إجبار أصحاب القرار على التحرك الفوري لاجتثاث هذه الآفة من جذورها.

​*  نحو عصيان مدني واعٍ

​يترتب على هذا المجتمع اليوم ان يحوّل غضبه الواعي إلى حراك شامل لا يتوقف عند حدود التظاهر التقليدي..

يجب أن تتشابك صرخاته الاقتصادية التي توجع مراكز النفوذ، مع وقفات سياسية التي تحرج المؤسسة أمام المجتمع الدولي، لتلتحم مع إضرابات مهنية ونقابية يقودها الاطباء والعمال الاجتماعيون والمعلمون والسائقون وكافة الكوادر التي ترفض أن تظل وقوداً لهذا الروتين الدامي.

إن كل تحرك قانوني، وكل مسيرة سلمية تنظم، لها وقعها العميق وأثرها الذي قد لا يُرى بالعين المجردة لحظياً، لكنه يتراكم ليصنع وعياً جماعيًا قادرًا على لفظ الجريمة ومحاصرتها..

فنعم لاستمرار النضال، وتنظيم الاحتجاجات، لأن الصمت في حضرة الرصاص هو الجريمة الأبشع التي قد نرتكبها بحق أنفسنا وأبنائنا.

** الكاتبة وفاء زعبي صحافية وباحثة اجتماعية، حاصلة على الماجستير في الإدارة والسياسة والقيادة. متخصصة في تحليل وتوجيه الحوارات حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتنشط في تغطية القضايا المجتمعية والسياسية.

من المهم التنويه أن موقعنا يلتزم بالبند 27 أ من قانون الملكية الفكرية (סעיף 27א לחוק זכויות היוצרים). ويبذل قصارى جهده لتحديد أصحاب الحقوق في المواد المختلفة المنشورة لديه. وفي حال كانت لديكم اية ملاحظات تتعلق بحقوق الملكية، فيرجى الاتصال بنا للتوقف عن استخدامها عبر الخاص في هذه الصفحة او على ايميل: almasar@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى